العقيدة والفكر

التوظيف العقدي لعلم أصول الفقه

عمـر بن أحمـد بن حمـد الخليلي

بسم الله الرحمن الرحيم[1]

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد:

فقد جعل الله كتابه الكريم هداية ونورًا يستضاء به في كلِّ مدلهمَّة، ولذا تمسَّك أهل العلم -من المذاهب كافة- بأصوله وأهدابه، وحكموا بناءً على ما ظهر لهم منه، غير أنهم قد افترقوا في مسائل ادّعى كلٌّ منهم أن كفَّة الأدلة ترجح في جانبه، وأن مخالفه -إن وُضِع على الميزان القسط- شالَ، وقد أشار أهل العلم منذ القِدَم إلى إشكالية ادعاء موافقة القرآن من كل فرقة.

فهذا التابعي الجليل سعيد بن جبير يقول: “كلُّ فرقةٍ يقرأون آية من القرآن يزعمون أنها لهم”[2].

وبعد ذلك جاء إمام الماتريدية أبو منصور الماتريدي ليؤكد المعنى نفسه بقوله: “كلُّ مذهب في الإسلام يدَّعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات الوقوع في المتشابه، ولنفسه الوقوع في الواضح”[3].

ولم يغفل إمام المعتزلة القاضي عبد الجبار عن هذا المعنى حين قال: “ما يعدُّه المشبِّه مُحكمًا عند الموحِّد من المتشابه، وما يعدُّه الموحِّد مُحكمًا عند المشبّه بخلافه”[4].

وبعد قرنين جاء الرازي الأشعري مؤكدًا هذه الحقيقة بقوله: “إنَّ كلَّ واحد من أصحاب المذاهب يدَّعي أن الآيات الموافقة لمذهبه مُحكمة، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة”[5].

ويتبعه ابن تيمية الذي يقول: “ولهذا يجعل كل فريق المُشكِل من نصوصه غير ما يجعل الفريقُ الآخر مُشكِلًا”[6].

وأخيرًا بعد هؤلاء جميعًا يأتي الشيخ القطب رحمه الله مؤكِّدًا ما سبق بقوله: “وكل ذي مذهب يدَّعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، والآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة، فالمعتزلة لقولهم بخلق الفاعل فعلَه يقول (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) محكم، وقوله تعالى (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين) متشابه. ونحن معشر الإباضية والأشعرية نقلب ذلك”[7].

إذًا؛ نحن أمام إشكال اتفق أهل العلم على اختلاف مشاربهم وتباين أقطارهم وأزمانهم على وجوده، وهو أن كلَّ طائفة تمتلك ما تراه دليلًا على عقيدتها، فما الذي يفصل بين المختلفين في هذه المسائل؟

والجواب أن الله عزَّ وجلَّ امتنَّ على عباده بأن كان علم أصول الفقه ميزانًا يزنون به خفيف الأدلة من رجيحها، ولذلك قال ابن دقيق العيد: “أصول الفقه هو الذي يقضي ولا يُقضى عليه”[8].

ويقول الشيخ القطب: “ولمّا كان فيه المتشابه احتاج العالِم إلى الاستدلال فيخرج عن التقليد، ويحصل ذلك بتعلم اللغة[9]، والنحو والصرف، وعلم المعاني والبيان، وأصول الفقه والحديث”[10].

ولكن بداية يجب أن نفهم موقع علم أصول الفقه من خريطة العلوم، والوظيفة المرجوّة منه، فعلم أصول الفقه يعرّفه أصحاب الاختصاص بأنه “علم يقتدر به على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها”[11].

أو بعبارة أخرى كما يقول الغزالي “أصول الفقه يرجع إلى ضبط قوانين الاستدلال”[12].

إذن؛ فهو أداة لفهم النص الشرعي واستنباط الحكم منه، وهو بهذا يندرج تحت (علوم الآلة) وهي العلوم التي يتوصل بها إلى غيرها، بمعنى أنها لا يقصد تعلمها لذاتها، بل لتسهيل الوصول إلى (علوم الغاية).

والمراد من هذه المقدمة أن نصل إلى نتيجة مفادها أن علم الأصول علم يمكّن من الوصول إلى المعنى المراد من النص الشرعي، وبطبيعة الحال فالنص الشرعي مشتمل على أحكام فقهية، وعقدية، وأخلاقية، وغيرها من الأحكام.

فإن مباحث الأصول وما فيها من حصر للأدلة وكيفية الاستدلال بها، وترتيبها في الحجية، وطرقها في الدلالة مما يحتاج إليه كل مستدل بالقرآن أو السنة أو الإجماع، وما يليها من أدلة تبعية.

بل إن كلَّ لفظ يُستدلُّ به على مسألة لا يخلو أن يكون محكمًا أو متشابهًا، عامًّا أو خاصًّا، مجملًا أو مبيَّنًا، منطوقًا أو مفهومًا، دع عنك المسائل التي تدخل فيها مباحث حروف المعاني والاشتراك والاقتضاء ونحوها من مباحث علم الأصول.

وعليه فإن قصر علم الأصول على استنباط الأحكام التكليفية العملية فيه تضييق لوظيفة العلم وحدّ من صلاحياته إن صح التعبير.

وجدير بالذكر أن لفظ (الفقه) لم يكن يُقصد به في أول الأمر المسائل العملية وحدها، بل كان لفظًا يشمل العلم بالشريعة كلها، فالحديث فقه، والتفسير فقه، والعقائد فقه، والأحكام العملية فقه أيضًا.

ولا يعكِّر على ما ذكرت كون علم الأصول فيه مسائل مختلف فيها، فإن هذا شأن كل علم، فمسائل اللغة التي بُنيت عليها مسائل العقيدة والفقه أيضًا فيها اختلاف، والأنظار العقلية أو المنطقية التي بُنيت عليها أحكام عقدية فيها قدر من الاختلاف، بل بعض هذه المسائل الأصلية تأثرت بالفروع المبنية عليها كما لا يخفى، إلا أن العالم المحرِّر في العلمين المتجرد من الهوى هو الذي يستفيد من هذه القواعد.

على أن التصور المضيِّق لوظيفة الأصول كان من جملة أسبابه إيحاءاتٌ في بعض المدونات الأصولية، أولها: إضافة الأصول إلى الفقه، وقد يُفهم من هذه الإضافة الحصر والاختصاص، ثانيا: بعض العبارات لأهل العلم التي يفهم منها اختصاص علم الأصول بالفروع الفقهية، كما يفهم من كلام الغزالي، حيث قال في تعريف أصول الفقه: “…فافهم أن أصول الفقه عبارة عن أدلة هذه الأحكام[13]…” [14]، وتابعه على هذا المعنى الفخر الرازي[15]، ويقول ابن السبكي: “والإضافة تفيد الاختصاص…وتفيد هنا اختصاص الأصول بالفقه” [16]، وصرّح عبد الوهاب خلاف على أن علم الأصول معني بالفقه اختصاصا، فقد صرح في معرض ذكر أنواع الأحكام التي جاء بها القرآن الأحكام الاعتقادية والأخلاقية والعملية، وقال بعد ذكر الأخير “وهذا النوع الثالث هو فقه القرآن، وهو المقصود الوصول إليه بعلم أصول الفقه”[17].

إلا أن هذا لا يعني أن العلماء كلَّهم أغفلوا جانب العقيدة والأحكام غير العملية في علاقتها بأصول الفقه، فبعض أهل العلم ينصون على أن القواعد الأصولية هي قواعد لفهم النصوص الشرعية والاستنباط منها، سواء كان المستنبط منها حكما فقهيا، أو مسألة عقدية، أو عملا سلوكيا أخلاقيا، فممن أشار إلى هذا المعنى:

  • الحليمي حيث يقول: “إن تخصيص اسم الفقه بهذا الاصطلاح حادث. قال: والحق أن اسم الفقه يعم جميع الشريعة التي من جملتها ما يتوصل به إلى معرفة الله ووحدانيته وتقديسه وسائر صفاته، وإلى معرفة أنبيائه ورسله عليهم الصلاة والسلام، ومنها علم الأحوال والأخلاق والآداب والقيام بحق العبودية وغير ذلك” وعقّب الزركشي مؤيدا “ولهذا صنّف أبو حنيفة كتابا في أصول الدين، وسمّاه (الفقه الأكبر)”[18].
  • يقول الميهوري: “قال رحمه الله: اعلم أن أصول الشرع ثلاثة…وإنما لم يقل أصول الفقه، لأن هذه الأصول كما أنها أصول الفقه، فكذلك هي أصول الكلام أيضا” [19]
  • وكذلك نص على عدم اختصاص الأصول بالفقه ابنُ جزي حيث يقول: “وأما أصول الفقه فإنها من أدوات تفسير القرآن، على أن كثيرا من المفسرين لم يشتغلوا بها، وإنها لنعم العون على فهم المعاني وترجيح الأقوال”[20].
  • عبد العزيز البخاري الحنفي، فحين مرَّ في شرحه على قول البزدوي “اعلم أن أصول الشرع ثلاثة”، قال معلِّقًا “وكأنه إنما عدل عن لفظ الفقه إلى لفظ الشرع مخالفًا لسائر الأصوليين؛ لأن الإضافة تفيد الاختصاص، وهذه الأدلة -سوى القياس- لا تختص بالفقه، بل هي حجة فيما سواه من أصول الدين، ولفظة (الشرع) أعم، ويطلق على أصول الدين كإطلاقه على فروعه، قال تعالى (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبُر على المشركين ما تدعوهم إليه الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب) فيكون إضافة الأصول إلى الشرع أعم فائدة وأكثر تعظيمًا للأصول”[21].
  • الشهاب المرجاني، فقد جاء في (ناظورة الحق) “وأصول الفقه التي يبتنى عليها الدين، ويؤخذ منها الحق المبين، وعلم اليقين، والرأي المتين، من مسائل الاعتقاد، وجملة مباحث المبدأ والمعاد، وعلوم العبادات، وأنواع المعاملات، ويستنبط منه حقائق الحكم، ودقائق الأسرار، وغوامض العلوم، ولطائف الفنون، في كل باب”[22].

بل إن في مسائل الأصول ما يكثر فيه التطبيق غير الفقهي، ككثير من مباحث المجاز، وبحثهم في دلالة (لن) على التأبيد من عدمه، والعموم الذي يراد به العموم قطعًا، وقاعدة “الوصف المشتقّ مؤذِنٌ بالعلِّية”، وغيرها.

وحتى يتضح الأمر أكثر لا بأس من ضرب مثال توضيحي في مسألة واحدة من مسائل العقيدة التي بُنيت على قاعدة أصولية، وهي:

استدلال مثبتي الرؤية لله سبحانه يوم القيامة بقوله تعالى (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)، ووجه استدلالهم بالآية أن منطوقها دال على حجب الكفار عن ربهم، ومفهومها أن المؤمنين بخلاف الكافرين، فهم غير محجوبين، وإذا كانوا غير محجوبين فلا ريب أنهم يرونه جل وعلا.

فالاستدلال هنا بدلالة أصولية وهي دلالة المفهوم، وناقشهم النافون للرؤية في هذه الدلالة[23] نقاشًا أصوليًا أيضًا، فقالوا: إن المفهوم في هذه الآية مفهوم مخالفة، ومفهوم المخالفة مختلف في الأخذ به في الفروع، ومذهب الحنفية أنه ليس حجة أصلًا، وأما الجمهور فقسَّموه إلى مراتب كلها لا يعدو الظن، فكيف يحتج به في مسألة عقدية كهذه؟!

ثم إن المفهوم المخالف -كما سبق- على مراتب، والمفهوم في هذه الآية هو من قبيل مفهوم اللقب، وهو ضعيف جدًا، بل هو أضعف المفاهيم على الإطلاق، لذلك اطَّرح جمهور الأصوليين هذا المفهوم ولم يعتدّوا به.

على أن في الآية مفهومًا آخر هو أقوى من مفهوم اللقب، وأولى منه بالتمسك، وهو المفهوم في قوله تعالى (يومئذٍ) فإنه يفهم منه أن الحجب للكفار مقيَّد بظرف ذلك اليوم، والظروف لها حكم الصفات، ومفهوم الصفة من المفاهيم القوية، فهل يصح أن يقال: إن الكفار محجوبون عن الله جل وعلا ذلك اليوم فقط دون غيره؟

وهذا إلزام قويٌّ، إذ إن المثبتين للرؤية أخذوا بالمفهوم الضعيف وتركوا المفهوم القوي، وإن كان كلاهما عند النافين ليس بحجة في هذا السياق.

والمقصد أن علم الأصول يحدد موضع الخلل في الاستدلال ويقوِّمه، ويعمِّق البحث بكشف دلالات النص التي قد تخفى على الناظر فيها إن لم يكن ملمًّا بقواعد الأصول.

وقد كثُرت البحوث والكتابات عن علاقة علم الأصول بالعقيدة -أو الكلام- ولكن من جهة تأثير علم الكلام في علم الأصول، وهذا المبحث وإن كان مهمًّا إلا أنه يبحث في علاقة طارئة بين العلمين، وهي علاقة غير لازمة ولا مطَّردة، وأما تأثير علم الأصول في مسائل العقيدة وتفعيل الاستدلال الأصولي في البحث العقدي فهو الجانب الحيوي الذي ينبغي أن توجّه إليه الهمم، وتُحشد له الطاقات.

والمقصد من هذه المقالة ليس تصحيح المعلومة النظرية فقط، وإنما المراد توظيف القواعد الأصولية في دراسة مسائل العقيدة وأدلتها، إذ إن مسائل هذا المجال ميدان رحب، وروضٌ أُنُف، لم يطأه الباحثون -خصوصًا في المذهب الإباضي- بخُفٍ ولا حافر[24]، والله أعلم وأحكم.

لتنزيل المقال اضغط هنا


[1] أصل هذا المقال فصل استللته من بحث التخرج من كلية العلوم الشرعية عام 1442هـ والذي أجيز بعنوان (الاستدلالات الأصولية عند سماحة الشيخ الخليلي في مسائل العقيدة من خلال كتاب “برهان الحق”)، ثم أعدت النظر فيه قبل نشره.

[2] تفسير القرآن، ابن المنذر، (1/120-121).

[3] تأويلات أهل السنة، الماتريدي، (2/312).

[4] متشابه القرآن، عبد الجبار، ص8.

[5] مفاتيح الغيب، الرازي، (1/1087)

[6] درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية، (1/12)

والنقول السابقة من لدن النقل عن ابن المسيب إلى النقل عن ابن تيمية استفدتها من أطروحة د. ياسر المطرفي (العقائدية وتفسير النص القرآني) ص15-16.

[7] فتح الله، (4/433) ضمن الموسوعة الأصولية الإباضية.

[8] البحر المحيط (1/5).

[9] في المطبوع “ويحصل بذلك تعلم اللغة…” ولعل الأشبه ما أثبت.

[10] فتح الله، (4/434).

[11] طلعة الشمس، (1/89).

[12] الغزالي، جواهر القرآن، 23.

[13] يعني بها الأحكام الشرعية الثابتة للأفعال الإنسانية من حيث الوجوب والإباحة والمنع، كما أشار في كلام سابق.

[14] انظر: الغزالي، المستصفى من علم الأصول، (1/61)

[15]  انظر: الرازي، المحصول في علم أصول الفقه، (1/8)

[16] انظر: السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج (1/21).

[17] خلاف، عبد الوهاب، علم أصول الفقه، ص33

[18] البحر المحيط (1/17).

[19] الميهوري، أحمد بن أبي سعيد، شرح نور الأنوار على المنار، (1/12)

[20] ابن جزي، التسهيل لعلوم التنزيل، (1/81).

[21] البخاري، كشف الأسرار، (1/34)

[22] المرجاني، ناظورة الحق في فرضية العشاء وإن لم يغب الشفق، ص4.

[23] ثمة مناقشة في جزئيات أخرى في المسألة، غير أني اقتصرت على محل الشاهد، ولتمام الفائدة انظر: برهان الحق (4/223-232).

[24] لعل كتاب (التكامل المعرفي بين أصول الفقه والعقيدة) للدكتور سليمان النجران يكون مقدِّمة جيِّدة في الباب، ويمكن استخراج الكثير من العناوين من قراءته، والله الموفق.

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: 3.7 ( 4 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى