العقيدة والفكر

من آراء العلامة قطب الأئمة في كتابه “السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة”

 إبراهيم بن خميس بن سعيد القنوبي

الحمد لله الذي جعل سيرةَ نبيه المصطفى ﷺ للأنام سراجًا، ولمسالك الهُدى والتحقيق منهاجًا، والصلاة والسلام على من أوتيَ جوامعَ الكلم، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجهم.

أما بعد؛ فإنَّ كتاب “السيرة الجامعة من المعجزات اللامعة” لقطب الأئمة الشيخ أمحمد بن يوسف أطفيش رحمه الله (ت 1332هـ)، ميدانٌ فسيحٌ للنقد والتمحيص، وميزانٌ دقيقٌ للترجيح بين الروايات؛ حيث برَزَتْ فيه شخصية الشيخ المحقِّق والعالِم المدقِّق.

وقد رُمتُ في هذه السطور أن أقتطفَ من ثمار هذا السفر المبارك؛ فأجمع شتاتَ ترجيحات الشيخ وتصحيحاته؛ لتكون دليلًا للقارئ، وتبصرةً للطالب. وقد كان معوَّلي في العزو والتوثيق على النسخة التي أصدرتها وزارة التراث القومي والثقافة بعُمان (1405هـ/ 1985م)، المصورة عن طبعة المطبعة السلفية بالقاهرة (1344هـ/ 1926م) بتحقيق الشيخ أبي إسحاق إبراهيم أطفيش (ت 1385هـ).

ولستُ أدَّعي في هذا الصنيع الاستيعابَ والحصر، أو الإحاطة بكل دقيقةٍ وجليلةٍ ضمَّها هذا السِّفر، وإنما هو غيضٌ من فيض، وما سنحَ به الوقتُ ولاحَ للخاطرِ الفاترِ أثناء السياحة في رياض هذا الكتاب، فقيَّدته خشيةَ الشتات، ورتبته ليسهل منه الاقتيات، جاعلًا إياه على أربعة مسالك. واللهَ أسأل أن يجعل هذا الجهد خالصًا لوجهه، نافعًا لعباده، وهو ولي التوفيق.

أولًا: تصحيحاتٌ وترجيحاتٌ في السيرة والأحداث

  • عن هوية الذبيحين

صحَّحَ العلامة القطب أن الذبيح الأول هو إسماعيل عليه السلام، والثاني هو عبد الله والد النبي ﷺ، بناءً على عدم إنكار النبي ﷺ لهذا اللقب.

“قالَ لهُ رجلٌ مِنَ الأعرابِ: يَا ابنَ الذبيحينِ، فتبسَّمَ ولمْ ينكرْ عليهِ، فعلمْنَا أنَّ الذبيحَ إسماعيلُ لا إسحاقُ على الصحيحِ، والثاني أبوهُ عبدُ اللهِ”.

الصفحة: 3

  • عن تاريخ مولده ﷺ

رجَّحَ العلامة القطب أن مولده ﷺ كان في الثاني عشر من ربيع الأول.

“…في مِنًى عندَ الجمرةِ الوسطَى أيامَ التشريقِ يومَ الاثنينِ، فوُلِدَ في رمضانَ. وقيلَ حملَتْ بهِ ليلةَ الجمعةِ أولَ رجبٍ، فوُلِدَ في ربيعٍ الأولِ في يومِ الاثنينِ الثاني عشرَ منهُ، وهوَ الصحيحُ، وقيلَ غيرُ ذلكَ”.

الصفحة: 4

  • عن ختانه ﷺ

صحَّحَ العلامة القطب القول بأنه ﷺ وُلد مختونًا.

“وخروجُ النورِ الحسيِّ معَهُ إذْ وُلِدَ حتَّى أضاءَ قصورَ بُصْرَى بالشامِ، إشارةٌ إلى النورِ المعقولِ وهوَ دينُ الإسلامِ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة: 15]… ووُلِدَ على صورةِ المختونِ المقطوعِ السرةِ. وقيلَ ختنَهُ جبريلُ عليهِ السلامُ عندَ شقِّ بطنِهِ في صحراءِ حليمةَ. وقيلَ جدُّهُ في اليومِ السابعِ. والصحيحُ الأولُ، فلا يُسَلَّطُ عليهِ أحدٌ متمكنًا مِنْ عورتِهِ بالكشفِ والقبضِ والقطعِ، إنَّهُ وُلِدَ على صورةِ المختونِ”.

الصفحة: 5

  • عن وقت ولادته ﷺ (ليلًا أم نهارًا)

صحَّحَ العلامة القطب أنه ولادته ﷺ كانت نهارًا.

والصحيحُ أنَّهُ وُلِدَ نهارًا عقبَ الفجرِ وقتَ بقاءِ ظهورِ النجومِ متدليةً إليهِ، معَ أنَّ زمانَ الوحيِ وقتُ خرقِ العوائدِ، فلا مانعَ مِنْ نزولِهَا نهارًا وظهورِهَا، وذلكَ وقتُ البركةِ كمَا قالَ ﷺ: “بُورِكَ لِأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا””.

الصفحة: 5

  • عن قصة شاة أم معبد

عرض العلامة القطب قول العيني الذي ذهب إلى تعدد الشياه مستدلًا بتعدد الحلب (شاة لأم معبد، وأخرى للنبي ﷺ، وثالثة لأبي بكر، ورابعة للدليل، وخامسة للراعي)، ثم صحَّح الشيخ خلاف ذلك، مؤكدًا أن المعول عليه هو الرواية التي عين فيها النبي ﷺ الشاة، فهي الشاة الواحدة المشهورة التي بقيت، وليست شياهًا متعددة.

“وهذا على أنَّ عندَهَا في البيتِ شياهًا كمَا قالَ العينيُّ على البخاريِّ. حلبَ شاةً فشربَتْ أمُّ معبدٍ، وحلبَ شاةً أخرَى فشربَ، وحلبَ شاةً فشربَ الصديقُ رضيَ اللهُ عنه، وحلبَ أخرَى فشربَ دليلُهُمْ، وحلبَ أخرَى فشربَ راعيهُمْ. فهذهِ شياهٌ لا واحدةٌ. وروَى أنَّهُ قالَ لمعبدٍ: ادعُ هذهِ الشاةَ، وكانَ طفلًا. وقالَ: يَا غلامُ هاتِ. وبقيَتْ هذهِ الشاةُ المشهورةُ المتحدةُ على الصحيح…”.

الصفحة: 107

  • عن سفر أبي بكر وبلال مع النبي ﷺ وهو صغير

نفى العلامة القطب صحة الرواية التي تذكر مرافقة أبي بكر وبلال للنبي ﷺ في سفره مع عمه أبي طالب إلى الشام، مستندًا إلى الفارق العمري والزمني.

ولمْ يصحَّ أنَّ الصديقَ سافرَ معهُمْ [أي مع أبي طالب والركب]، ولا بعثَ معَهُ ﷺ بلالًا رضيَ اللهُ عنه؛ لأنَّهُ ﷺ أكبرُ مِنَ الصديقِ بعامينِ، والصديقُ لا يبلغُ ولَمَّا يملكْ بلالًا، وبلالٌ أصغرُ مِنَ الصديقِ. وغلطَ الترمذيُّ”.

الصفحة: 109

 

ثانيًا: الحكم على الروايات والأحاديث

  • عن حديث إحياء والدي النبي ﷺ وإيمانهما

وصفه العلامة القطب بالضعف أولًا، ثم وضَّحَ أن القواعد الحديثية ترده.

وعنْ عائشةَ رضيَ اللهُ عنهَا أنَّ اللهَ تعالَى أحيَا لهُ أبويهِ فآمنَا بهِ، ونفعَهُمَا إيمانُهُمَا، وهوَ حديثٌ ضعيفٌ، وهمَا مِنْ أهلِ الفترةِ”.

الصفحة: 8

والقلبُ يفرحُ بأنَّهُمَا آمنَا ويقبلُ إيمانَهُمَا طبعًا، والقواعدُ معَ ضعفِ الحديثِ بهِ تأبَى ذلكَ“.

الصفحة: 10

  • عن الجمع بين الروايات التي تصف حمل آمنة به ﷺ

أورد العلامة القطب الروايات التي تصف حمل السيدة آمنة، ثم جمع بين هذا التعارض الظاهري بذكر احتمالات ثلاثة للتوفيق بينها.

رُوِيَ أنَّهَا حملَتْهُ كأثقلِ مَا يكونُ للنساءِ مِنَ الحملِورُوِيَ أنَّهَا مَا وجدَتْ لهُ ثقلًاويُجْمَعُ بأنَّ الثقلَ أولُ الحملِ والخفةَ بعدُ، على خلافِ المعتادِ، أوِ الثقلَ لمرضٍ لا للحملِ، أوِ الثقلَ كراهةَ مَا تكرهُ الحاملُ مِنَ الأطعمةِ”.

الصفحة: 14

  • عن حديث شفاعته ﷺ لأهله المشركين

حكم العلامة القطب على الحديث بالوضع لمخالفته القرآن.

“وهذا كمَا رُوِيَ بسندٍ ضعيفٍ كمَا نصُّوا على ضعفِهِ عنِ ابنِ عمرَ عنْ رسولِ اللهِ ﷺ: “إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ شَفَعْتُ لِأَبِي وَأُمِّي وَعَمِّي أَبِي طَالِبٍ وَأَخٍ لِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ”… وذلكَ حديثٌ ضعيفٌ كمَا نصَّ عليهِ قومُنَا، بلْ هوَ موضوعٌ ولهُ أحاديثُ موضوعةٌ، فلا يتقوَّى ضعيفٌ أوْ موضوعٌ بموضوعٍ. وذلكَ مخالفٌ للقرآنِ…”.

الصفحة: 14

  • عن قصة الحمار “يعفور”

أورد العلامة القطب قصة الحمار الذي زُعم أنه كلَّم النبي ﷺ وكان يرسله لاستدعاء الصحابة بقرع الأبواب، وأنه مات حزنًا عليه، ثم نقل حكم المحدثين ببطلانها، وانتهى إلى أنَّ الأولى ترك ذكرها.

“وذكرَ ابنُ حبانَ أنَّ هذا خبرٌ لا أصلَ لهُ وإسنادُهُ ليسَ بشيءٍ. وقالَ ابنُ الجوزيِّ: لعنَ اللهُ واضعَهُ فإنَّهُ لمْ يقصدْ إلا القدحَ في الإسلامِ والاستهزاءَ بهِ. وكذا قالَ العمادُ بنُ كثيرٍ: هذا شيءٌ باطلٌ لا أصلَ لهُ مِنْ طريقٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ. وقالَ بعضٌ: هوَ ضحكةٌ. وقدْ أودعَهُ كتبَهُمْ جماعةٌ منهُمْ القاضِي عياضٌ في الشفاءِ والسهيليُّ في روضِهِ. والأولَى تركُ ذكرِهِ“.

الصفحة: 64

 

ثالثًا: آراء فقهية وعقدية

  • عن حكم أهل الفترة

يرى العلامة القطب أن التحقيق هو تعذيبهم على الشرك، مع إمكانية العذر في الفروع.

وأهلُ الفترةِ عندَنَا غيرُ معذورينَ، وعذرُهُمْ كثيرٌ مِنْ قومِنَا، وعندِي يُعْذَرُونَ في غيرِ التوحيدِ“.

الصفحة: 18

قلتُ: التحقيقُ تعذيبُ أهلِ الفترةِ على الإشراكِ، ولا سيَّمَا مَنْ سمعَ بمؤمنٍ شاذٍّ ولمْ يخلُ الزمانُ منهُ…”

الصفحة: 22

  • عن حكم من آذى النبي ﷺ ثم تاب

صحَّحَ العلامة القطب قبول توبته خلافًا لقول المالكية.

ولا ريبَ أنَّ إيذاءَهُ ﷺ كفرٌ يُقْتَلُ فاعلُهُ إنْ لمْ يتبْ، وعندَ المالكيةِ يُقْتَلُ ولوْ تابَ، هذا على أنَّهُ حدٌّ، والحدُّ لا يُدْرَأُ بالتوبةِ. والصحيحُ الأولُ؛ إذْ ليسَ بأعظمَ مِنَ الردةِ، والتوبةُ منهَا تُقْبَلُ”.

الصفحة: 21

  • عن بدعة القيام عند ذكر مولده ﷺ

يرى العلامة القطب أنها بدعة منكرة يجب تركها، وأن التعظيم الحقيقي يكون بالاتباع.

قلتُ: لا نعملُ بهذهِ البدعةِ لأنَّ فيهَا خفةً وتجرُّ إلى غيرِهَا، أيْ كالشطحِ والتواجدِ الذي بصفةٍ لا تجوزُ مِمَّا لا يحسنُ، وإنَّمَا نعظِّمُهُ باتباعِهِ وإكثارِ الصلاةِ والسلامِ عليهِ”.

الصفحة: 7

  • عن قصة تخفيف العذاب عن أبي لهب

يرى العلامة القطب أنها منافية لصريح القرآن والسنة.

“قالَ قومُنَا: رُؤِيَ في النومِ فقيلَ لهُ: مَا حالُكَ؟ فقالَ: في النارِ، إلا أنَّهُ يُخَفَّفُ عليَّ كلَّ ليلةِ اثنينِ وأُسْقَى في قدرِ نقرةِ الإبهامِ لإعتاقِي ثويبةَ لَمَّا بشَّرَتْنِي بولادةِ محمدٍ وإرضاعِهَا لهُ. وهذا منافٍ للقرآنِ والسنةِ…”.

الصفحة: 7

 

رابعًا: تعقيبات واستنتاجات

  • عن قول عمر بن عبد العزيز في قصة الرجل الذي استشهد بوالد النبي ﷺ

أوَّلَ العلامة القطب الأمرَ الشديدَ الذي أصدره عمر بن عبد العزيز (بقطع لسان العامل الذي برر توليته لابن مجوسي بأن والد النبي ﷺ كان مشركًا)، معتبرًا أن هذه الشدة كانت لردع عناد الرجل وسوء أدبه، لا لإنكار حقيقة شرك والد النبي ﷺ.

قلتُ: لعلَّهُ قالَ ذلكَ لعنادِ الرجلِ أوْ معَ صنيعِهِ ذكرَ الأبِ بالشركِ معَ استغنائِهِ عنْ ذكرِهِ، ومعَ ذلكَ فذكرُهُ بالشركِ حقٌّ؛ لأنَّهُ لا قصدَ لهُ في الابتداءِ”.

الصفحة: 11

  • عن مصير الجذع الذي حنَّ للنبي ﷺ

أضافَ العلامة القطب فائدة استنتاجية.

“وعندَ ابنِ القطانِ: حتَّى أكلَتْهُ الأرضةُ وعادَ رفاتًا. قلتُ: فيُبْعَثُ كمَا يُبْعَثُ الآدميُّ فيُغْرَسُ في الجنةِ”.

الصفحة: 58

  • عن معنى سجود الجمادات له ﷺ

قدَّمَ العلامة القطب تفسيرين محتملين لمعنى “السجود” الوارد في الروايات.

“وعنْ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ: لمْ يكنْ ﷺ يمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ إلا سجدَ لهُ. قيلَ هذا في قضايا مخصوصةٍ لا في كلِّ الأزمنةِ، والسجودُ خضوعٌ أوْ حقيقيٌّ للهِ عزَّ وجلَّ إلى جهتِهِ ﷺ“.

الصفحة: 69

  • عن خبر الكاهن خطر بن مالك

ساق العلامة القطب خبر الكاهن خطر بن مالك الذي سأله قومه عن كثرة الشهب، فبشرهم بظهور النبي ﷺ ونطق بالشهادة ثم مات، فقال عنه النبي ﷺ: “إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ”، ثم عقَّب الشيخ محاولًا الجمع بين كونه كاهنًا وبين مدح النبي ﷺ له.

“فقال رسول الله ﷺ: “لَقَدْ نَمَا عَنْ مِثْلِ نُبُوَّةٍ، إِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ”. قلتُ: لعلَّ هذا قبلَ تحريمِ الكهانةِ أوْ حُكِمَ بقولِهِ: “لا إلهَ إلا اللهُ” وإقرارِهِ بنبوتِهِ ﷺ“.

الصفحة: 149

لتنزيل المقال اضغط هنا

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: 4.34 ( 4 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى