من صحائف الروّاد

المقال الثالث من سلسلة صفحة من تاريخ الإباضية: رجال الإباضية في صدر الإسلام([1])

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

-3-

صفحة من تاريخ الإباضية:

رجال الإباضية في صدر الإسلام([1])

كان للإباضية في البصرة أئمة العلم والدين في زمن التابعين ممن يشار إليهم بالبنان، وكانت لهم مجالس العلم ورجال العمل لكل ما يعود على المسلمين بالخير والسعادة، ولم يقفوا عند العمل للدين فقط، بل كان منهم من انقطع إلى العلم بجدٍّ واجتهاد، وإلى صون الدين من كل عبث، فألّفوا وجمعوا علوم الدين والسنة والأدب؛ كالإمام أبي الشعثاء وصحار بن العباس العبدي ومن في طبقتهما، وأبي عمرو الربيع بن حبيب البصري الفراهيدي صاحب المسند الصحيح وأبي صفرة عبد الملك بن صفرة ومن في طبقتهما، ومن بعدهما كأبي غانم الخراساني صاحب المدونتين الكبرى والصغرى.

ومنهم من اشتهر بالفضل والعلم والحكمة؛ كأبي الحر الأحنف بن قيس([2]) بن معاوية بن حصين بن عبادة بن النزال بن مرة بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وقد أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يره، ودعا له النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: «اللهم اغفر للأحنف».

ومنهم من قتل أيام حياته في التدريس ورواية الحديث والفقه، كحاجب الأزدي([3])، وهو ممن أخذ عن أبي الشعثاء، وأدركَ ممن أدرك أبو الشعثاء من الصحابة عددًا وافرًا.

ومنهم جعفر بن السماك.

ومنهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي الإمامُ القدوة بعد أبي الشعثاء، ومن كبار رجال الحديث، وعنه روى أبو عمرو الربيع بن حبيب الفراهيدي المسند الصحيح، ومجلسه من أكبر مجالس العلم بالبصرة، ولما اشتد تثقيفُ الحجاج ومن بعده على مَن نقم على بني أمية، اختفى وصار يعلم تلاميذه في كهف.

ومنهم ضمام بن السائب، وخلف بن زياد البحراني، وأبو نوح صالح بن نوح الدّهان، وحيان الأعرج؛ وكلهم أخذوا عن الإمام أبي الشعثاء جابر بن زيد.

ومنهم من جمع إلى فضل العلم الثروةَ الطائلة كالفضل بن جندب وهو مولى للأزد، والنضر بن ميمون؛ وهما كانا من تجار العرب إلى الصين، وممن اشتهر بالإنفاق والإعانة في النائبة، وبالفضل والصدق والأمانة.

ولما استرجع الإباضية استقلالهم بعمان انتقل كثير منهم إليها، حتى امتلأت بالعلماء الفضلاء أهل الثقة والورع والإخلاص وصدق النية، وضرب المثل في ذلك؛ فشبّهوا العلم بطائر باض في المدينة، وفرّخ في البصرة، وطار إلى عُمان.

ولما قتل الجلندى([4]) بن مسعود تولّى بعده أبناؤه، ولكنهم لم يستقيموا في سيرتهم، بل كانوا على غير ما يرضي المسلمين من الجور والعتو، حتى ظهر شبيبُ بن عطيّة العماني -وهو من أصحاب الإمام الجلندى- فقام بالأمر أحسن قيام، وكان رجلًا صلبًا في الحقِّ لا تلين له قناة، شديدًا على الجبابرة، داعيًا إلى الله، وله سيرة تنبئ عن وقوفه في الحقِّ وشدّة شكيمته ووطأتِهِ على أهل البغي والعدوان، قال في أولها:

«أمّا بعد؛ فإنه بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «يد المسلمين واحدة على من سواهم، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله»، وقد أمسيتم وأمسينا إخوانًا -على الحالة التي قد ترون- اختلفت في أعلاق الأمة، وتشتت أمرها، ووثب بعضهم على بعض كالسباع ينهش بعضهم بعضًا بالظلم والعدوان والغشم وانتهاك المحارم، ولا يعرفون حق الله ولا حرمة الإسلام ولا يحتجرون به، وأمسينا وأمسيتم -بحمد الله- ونعم الله علينا وعليكم سابقة، وفضله علينا وعليكم عظيم؛ يأمن بعضنا بعضًا، ويعرف بعضنا لبعض حرمة الإسلام وحقّ أهله، وكتاب الله أمامنا وأمامكم إن كنا وكنتم صادقين.

يا أيها الناس، اعلموا أنّ من أمرنا أن نقاتل ونقتل من عصى الله([5]) حتى يفيئوا إلى أمر الله أو تفنى أرواحنا إن شاء الله، لنرد منار الإسلام إلى معالمها الأولى التي كانت على عهد نبي الله والذين من بعده أبي بكر وعمر، حلال الله حلال إلى يوم القيامة([6])، ورضاء([7]) الله رضى إلى يوم القيامة، وسخط الله سخط إلى يوم القيامة، لا تنقض الطاعة بالمعصية، ولا تثبت الطاعة لمعصية بالطاعة، ولكن حتى يستكمل الناس جميعًا الطاعة بحدودها وأعلامها ومنارها وأحكامها وأنسابها والرضى بها، فمن كره هذا فالطريقُ له مخلى يذهب حيث شاء في البر والبحر، وليكن أمره على حذر أن يتبع عورات المسلمين، ويكاتب عدوهم، ويشغب([8]) عليهم فيتخذ عليهم لسعيه بين المسلمين بطانة …».

إلى آخر ما فيها من بيان الحق الواضح، والتحريض على القيام بالأمر، ودفع الشبهات والشك والحيرة.

واختُلِفَ في أمره: هل هو إمام بمبايعة أهل الحل والعقد، أو محتسب؟ وكأنَّ الأخير هو الراجحُ عند بعض المحققين، ويدلُّ له قول الإمام الربيع بن حبيب حين سئل عنه وقد اختلف فيه أهل عمان: من تولاهُ فتولَّوهُ، ومن برئ منه فابرؤوا منه. فقال له السائل -وهو العلامة موسى ابن أبي جابر-: ما القول في الكفّ؟ قال: أرجو أن يكون فيه ألفة وصلاح.

وكان يجبي القرى التي تحوطها حمايته، وإذا عجز عن حماية واحدة اعتزل عن جبايتها.

ولما ألّف الله بين قلوب أهل عمان واجتمعت كلمتهم على الحق، قام أهل الحل والعقد إلى نسف طغمة الجور والظلم؛ بني الجلندى، وإزالة ملكهم وتطهير البلاد من الحيف وإقامة منار الهدى، ولم تقم بعد ذلك لبني الجلندى دولة أصلًا، ولم تكن لهم حركة([9]).

فانتقل الأمر إلى (اليحمد)، وبايع الناس محمد بن عبد الله بن أبي عفّان وهو من اليحمد([10]) -بطن من بطون الأزد وهو اليَحمَد بن حُمَّى بن عبد الله بن نصر بن زهران بن كعب- في أول يوم من شوال سنة سبعٍ وسبعين ومئة [177هـ]؛ إلا أنّه لم يحسن السيرة وبدل وغير حسب هواه، وكان مستبدًّا فظًّا غليظًا حتى قال فيه أحد أئمة العلم إذ ذاك أبو أيوب وائل بن أيوب الحضرمي: ليس ابن أبي عفان بإمام، وإنما هو جبار.

فعزله المسلمون حين لم يرضوا سيرتَهُ في النصف من ذي القعدة سنة (179)، وكانت ولايته سنتين وشهرين إلا شيئًا، وكان من أسوء عمّاله سعيد بن زياد البكري، فقال فيه الإمام محمد بن محبوب: ما سمعنا عن أحد من قوّاد هذه الدولة أولها ولا آخرها صنع ولا سار في أهل حربهم بشرٍّ مما صنع سعيد بن زياد البكري من سفك الدماء، وحرق المنازل والأمتعة، وأخذ البريء بالسقيم، وترك المعروف، وبايع المسلمون الإمام الوارث بن كعب الخروصي، وهو أول إمام من بني خروص، وهم بطن من بطون اليحمد أيضًا.

القاهرة – أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش

لتنزيل المقال اضغط هنا


([1]) مجلة الزهراء، العدد (6)، 15 جمادى الآخرة 1343هـ، (ص383-385).

([2]) مما يؤثر عنه أنه قال لمعاوية -لما أرادَ أخذ البيعة لابنه يزيد-:

  • انظر من تشد إليه عهدك، ومن توليه الأمر بعدك، واعص رأي من يشير عليك ولا ينظر.

وسَألَهُ يومًا عن سبب إجماع الناس على محبّتهِ، فقال:

  • لو عاب الناس الماء ما شربته.

مات سنة (67)، ومشى في جنازته مصعب بن الزبير.

([3]) ذكره ابن حبان في الثقات من رواة أبي الشعثاء، وقال ابن عيينة: سمعت حاجبًا الأزدي، وكان رأسًا في الإباضية.

([4]) ضُبِطَت في الأصل: “الجَلَنْدَى”. (م)

([5]) أي بالبغي؛ بدليل قوله بعده: “حتى يفيئوا إلى أمر الله”.

([6]) كذا في (تحفة الأعيان) للنور السالمي، ولعل في الأصل: “وحرام الله حرام إلى يوم القيامة”.

([7]) في الأصل: “رضاه”، وأثبتُّ ما جاء في تحفة الأعيان. يُنظر: السالمي، تحفة الأعيان، (1/105). (م)

([8]) في الأصل: “يشعب”، وأثبتُّ ما جاء في تحفة الأعيان. يُنظر: السالمي، تحفة الأعيان، (1/105). (م)

([9]) سيذكر الشيخ أبو إسحاق في المقالات القادمة حادثةً حصلت في زمن الإمام المهنا بن جيفر، فقد خرج بعض بني الجلندى عليه. (م)

([10]) قال اللحياني: الذي في همدان يُحمد بالضمِّ، وفي الأزدِ وغيره يَحْمَد بالفتحِ. وقال ابن دريد: يحمد بطين من قضاعة.

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى