نقض الاستدلال العلماني بحديث: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”

عمر بن أحمد بن حمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وتابعيه وحزبه إلى يوم الدين؛ وبعد
فلعل من أكثر الأحاديث دورانًا على ألسنة العلمانيين المتدثِّرين بدثار الإسلام حديث تأبير النخل، الذي جاءت فيه عبارة “أنتم أعلم بأمور دنياكم”، وهي في الحقيقة مناورة قائمة على النفعية (البراجماتية) يُراد منها الترويج للخطاب العلماني بأسلوب شرعي، وإلا ففي نصوص الشريعة الكثيرة ما ينقض أصول العلمانيين، وهذا ما يؤكد أن الانتقاء للحديث هنا غير نزيه، وليس قائمًا على الأخذ الشمولي للدين بكافة جوانبه، وقد ضخَّموا من قدر هذه الرواية حتى جعلوها الأصل الأعظم في باب الفصل بين الديني والدنيوي، حتى ألَّف أحدهم كتابًا سمّاه (السياسة بين الحلال والحرام.. أنتم أعلم بأمور دنياكم).
وقال أحد المتأثرين بالخطاب العلماني في سياقٍ احتفائي بهذه الرواية “لو لم يكن غير هذا الحديث الشريف في تبيين أن سنته صلى الله عليه وسلم ليست كلها شرعًا لازما، وقانونًا دائمًا لكفى”[1].
وقد تأثر بهذه الشبهة طائفة غير قليلة من المسلمين، فصاروا يفصلون بين الشأن الدنيوي والشأن الأخروي في وجوب الاتباع.
ألفاظ الرواية:
وقبل الكلام عن الأصول الشرعية الناقضة للفهم العلماني للنص لا بد أولًا من الكلام عن ألفاظ الرواية، فإن الحديث جاء بألفاظ مختلفة، وقد أخرجه مسلم في صحيحه بثلاثة ألفاظ لكل منها طريقه، وسأقتصر على ألفاظه اختصارًا ولن أعرض لما ورد عند غيره، وهي:
- عن موسى بن طلحة، عن أبيه قال: مررتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: “ما يصنع هؤلاء؟” فقالوا: يُلقِّحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيَلقَحُ. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما أظن يُغني ذلك شيئا”. قال: فأُخبِروا بذلك فتركوه، فأُخبِر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: “إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإنِّي إنما ظننتُ ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدَّثتُكم عن الله شيئا فخذوا به، فإنِّي لن أكذِب على الله عز وجلَّ”[2].
- عن أبي النجاشي عطاء بن صهيب، عن رافع بن خديج قال: قدِمَ نبيُّ الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وهم يَأبُرون النخل، يقولون: يُلقِّحون النخل، فقال: “ما تصنعون؟” قالوا: كُنّا نصنعه، قال: “لعلَّكم لو لم تفعلوا كان خيرًا”، فتركوه، فنفضت أو فنقصت، فذكروا ذلك له، فقال: “إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر”.
قال عكرمة: أو نحو هذا.
قال المعقري: “فنفضت” ولم يشكَّ[3].
- عن حمّاد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، وعن ثابت، عن أنس، أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بقوم يلقحون، فقال: “لو لم تفعلوا لصلَح”، قال: فخرج شِيصًا[4]، فمرَّ بهم، فقال: “ما لنخلكم؟” قالوا: قلت كذا وكذا، قال: “أنتم أعلم بأمر دنياكم”[5].
ويُستفاد من عرض الروايات -قبل الكلام عليها- أن لفظ “أنتم أعلم بأمر دنياكم” ما جاء إلا في واحدة منها، والبقية خالية من هذا اللفظ، وهذا يبيِّن الانتقاء غير النزيه عند المستدلين بهذه الرواية، فإن الروايات الثلاث جاءت في سياق الحديث عن واقعة واحدة، والاختلاف الواقع بينها إنما هو بسبب الرواية بالمعنى، فما المسوِّغ الذي يُتكأ عليه للأخذ بهذه الرواية دون غيرها؟
والمنهجية العلمية الأمينة تقتضي جمع الروايات لفهم الحديث كما هي جادَّة علماء الفن، كما يقول ابن المديني “الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبيَّن خطؤه”[6].
ويقول ولي الدين العراقي “الحديث إذا جُمعت طرقه تبيَّن المراد منه، وليس لنا أن نتمسَّك برواية، ونترك بقيَّة الروايات”[7].
هذا مما ينبغي أن يكون سؤالًا أوليًّا قبل الخوض في التفاصيل، فإن لم يكن ثمَّ مسوِّغ علمي يوجب ترجيح هذه الرواية على غيرها فإن هذا يكون من قبيل الترجيح بدون مرجِّح، فهنا تظهر جليًّا يدُ الهوى التي تمتدُّ خلسة إلى كِفَّة الميزان لتعبث بها.
وقد يُعترض على هذا بأنَّ هذه الروايات لا تحكي واقعة واحدة، بل هي وقائع متعددة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في كل واحدة منها قولًا مختلفًا عن قوله في الأخرى، وإن كان المعنى العام واحدًا، وهذا مما مال إليه بعض أهل العلم، كالطحاوي[8]، فقد جمع بين اختلاف الألفاظ بأنها جاءت في وقائع مختلفة، وعليه فكلُّ لفظ من هذه الألفاظ مما يصح أن يحتج به، لأنه ليس من قبيل الرواية بالمعنى.
والجواب: أن حمل الطحاوي اختلافَ الألفاظ على تعدد الواقعة فيه تكلُّف، لأمور، وهي:
- أنه يبعد جدًّا أن يأمر أحدٌ بأمر ثم يرى عاقبته على خلاف المراد، ومع ذلك يكرر الخطأ مرة أخرى، وإذا كان هذا بعيدًا في عموم الناس فهو من النبي صلى الله عليه وسلَّم أبعد ولا شك.
- أن النبي صلى الله عليه وسلم في كل مرة يسأل عن فعلهم سؤال من لا يعلم ما يفعلون، ولو تكرر الموقف لما كان ثمة داعٍ للسؤال أصلًا.
- تكرر نفس الموقف بنفس التفاصيل مستبعد جدًّا، ففي كل مرة يتحدث النبي صلى الله عليه وسلم مع نفسه -أو مع الصحابة- فيفهمون أمرًا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم جازمًا به على أنه أمر جازم فيفعلون ذلك الأمر، فيبيِّن لهم -في كل مرة أيضًا- أنهم فهموه خطأ، هذا أمر بعيد!
- أن الجمع والتأويل فرع عن التصحيح، والرواية عن عائشة وأنس لا تصح كما سيأتي إن شاء الله.
ولهذا قال محمد رشيد رضا عن هذا الحديث إن “اختلاف الألفاظ يدل على أنها رويت بالمعنى”[9].
الإشكالات الإسنادية في الرواية:
هذه الرواية جاءت من طريق حمّاد بن سلمة عن هشام متصلًا، وخالفه غيره فرواه مرسلًا، والمرسل أصح كما رجَّح الدارقطني[10]، وقال البزار “وهذا الحديث لا نعلم أحدًا رواه عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها غير حماد بن سلمة، وقد رواه غير حماد عن هشام عن أبيه مرسلا”[11].
وروى أيضًا حمّاد عن ثابت عن أنس، قال البزار عن هذا الحديث “لم يروه إلا حماد”[12].
إذن فهذه الرواية مرسلة على الصحيح وليست متصلة، وإنما وصلها حماد بن سلمة وهمًا منه، وعليه فلا يصح الاحتجاج بها.
وحماد من الأصل محلُّ إشكال، لكونه كثير الوهم، قال البيهقي “لما طعن في السن ساء حفظه. فلذلك لم يحتج به البخاري، وأما مسلم فقد اجتهد فيه وأخرج من حديثه عن ثابت مما سمع منه قبل تغيره، وأما ما سوى حديثه عن ثابت فأخرج نحو اثني عشر حديثًا في الشواهد دون الاحتجاج، فالاحتياط أن لا يُحتج به فيما يخالف الثقات”[13].
“وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقب الله عز وجل أن لا يحتجَّ بما يجد من حديثه مخالفًا لأحاديث الثقات الأثبات”[14].
كما أن هشامًا قد أُنكر عليه أنه حين ذهب إلى العراق انبسط في الرواية عن أبيه؛ فإنه كان لا يحدث عن أبيه إلا بما سمع منه، ثم تساهل فكان يرسل عن أبيه، والراوي عنه هاهنا عراقي[15].
قد يقال: إن هذا مقبول في الكلام عن روايته عن هشام، أما وقد روى الحديث عن هشام وعن ثابت فإننا نقبل روايته عن ثابت، فهو ثقة فيما يرويه عنه كما
سبق.
والجواب: أن هذا غير مسلَّم لأربعة أمور:
- أن حمادًا في نفسه متكلم فيه، وبعضهم يضعِّفه بإطلاق، ولا يفرق بين ما يرويه عن ثابت أو ما يرويه عن غيره كما تقدَّم.
- أنه هنا مخالف لغيره، وما ذكره البيهقي يقتضي ألا تُقبل روايته فيما خالف فيه الثقات.
- أنه قرن هنا بين هشام وثابت في الرواية، وحماد إذا قرن يتقيه الناس، قال ابن رجب في شرح العلل -في سياق حديث آخر- “قال أحمد: هذا من قبل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال ثم يجعله إسنادًا واحدًا، وهم يختلفون!”[16].
- أن القول بأنَّ كل ما رواه عن ثابت مما أخرجه مسلم صحيح، وأنه ما أخرجه إلا ليحتجَّ به محل نظر، إذ إن مسلمًا روى عن حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، أَنَّهُ قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ } إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ ، وَقَالَ : أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، وَاحْتَبَسَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَمْرٍو ، مَا شَأْنُ ثَابِتٍ ؟ اشْتَكَى ؟ قَالَ سَعْدٌ : إِنَّهُ لَجَارِي ، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى ، قَالَ : فَأَتَاهُ سَعْدٌ ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ ثَابِتٌ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ[17]. ثم روى الحديث من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت، وقال عَقِبه “وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ”، وأتبعه بروايته أيضًا من طريق ثالث عن المعتمر بن سليمان عن أبيه عن ثابت، وقال بعده “وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ”، وفيه إعلال لرواية حماد عن ثابت، وأنه وهِمَ لمَّا ذكر سعدًا، ويعضد هذا أن سعدًا استشهد في السنة الخامسة في غزوة بني قريظة، والآية نزلت في السنة التاسعة في عام الوفود، فالقول بأن الإمام مسلمًا إذا روى عن حماد عن ثابت فإنه يروي على سبيل الاحتجاج ليس على إطلاقه.
أما الروايتان الأخريان فهما سالمتان من ناحية الإسناد، غير أن رواية رافع بن خديج متأخرة مرتبةً عن رواية طلحة، وذلك لأمور:
- تصريح طلحة بحضوره في القصة، أما رافع فلم يذكر ذلك، والأقرب أنه لم يكن حاضرًا، فإن رافعًا كان صغير السن حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فقد اتفقوا على أنه استُصغِر في بدر، وأُجيز في أحد[18]، والرواية مُشعِرة بأن الواقعة كانت أوائل مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، إذ يُستبعد أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم بين ظهراني الأنصار -وهم أصحاب زرع- ولا يرى التأبير إلا بعد سنوات من مكوثه في المدينة، ولا شك أن رواية من حضر الواقعة مقدَّمة على من يرويها بواسطة.
- أن رواية رافع صرَّح أحد رواتها -وهو عكرمة بن عمار- أنه يرويها بالمعنى لا باللفظ، وعليه فلا يمكن الاعتماد على ألفاظها اعتمادًا تامًا.
- الإشكالات في متنها كما سيأتي بعد قليل إن شاء الله.
ولذلك جعلها الإمام مسلم بعد رواية طلحة، فالترتيب عنده مقصود وليس اعتباطًا، فعادة مسلم أنه يقدِّم الروايات بدءًا من الأقوى، وقد يذكر الرواية الضعيفة بعد الصحيحة إشارة منه لإعلالها، يقول المعلمي عن هذا الحديث على وجه الخصوص: “عادة مسلم أن يرتب روايات الحديث بحسب قوتها: يقدم الأصح فالأصح. قوله صلى الله عليه وسلم في حديث طلحة رضي الله عنه “ما أظن يغني ذلك شيئا”، إخبار عن ظنه، وكذلك كان ظنه، فالخبر صدق قطعًا[19]، وخطأ الظن ليس كذبًا، وفي معناه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث رافع رضي الله عنه “لعلكم..”، وذلك كما أشار إليه مسلم أصح مما في رواية حماد، لأن حمادًا كان يخطئ”[20].
وقد سألت شيخنا القنوبي عن الرواية فقال إنها محل نظر عنده، وكأنه يميل إلى القول بتضعيفها أيضًا.
إشكالات المتن:
توجد أربع إشكالات في متن الرواية عن عائشة وأنس، وبعضها في رواية رافع بن خديج، وما سلم من أربعتها إلا رواية طلحة، وهي:
- التصريح بالنهي عن التأبير، فرواية طلحة لم يأت فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخاطبهم، بل كان كأنه يتكلم بما يدور في نفسه، ولم يقصد الإخبار به، ولكنهم أخطأوا في فهمه، كما قال ابن تيمية “لم ينههم عن التلقيح، ولكنهم غلطوا في ظنهم أنه نهاهم، كما غلط من غلط في ظنه أن (الخيط الأبيض) و(الخيط الأسود) هو الحبل الأبيض والأسود”[21].
- التصريح بأن النخل شاص في ذلك العام، أو لم يحمل شيئًا، أما رواية طلحة فقد جاءت بخلاف ذلك، إذ جاءت بالقصة في سياق واحد متعاطف بالفاء المفيدة للترتيب والتعقيب، مما يدل على أن ظن النبي صلى الله عليه وسلم وفهمُ الذين كانوا بقربه وإبلاغهم للمؤبرين ونزول المؤبرين وتبيين النبي صلى الله عليه وسلم لهم بأنه لم يقصد ذلك كله في موقف واحد، وليس فيها أن النخل لم تحمل من عامها، وفيه تبرئة للنبي صلى الله عليه وسلم من أمر الناس بشيء يؤدِّي إلى ما فيه مفسدة لهم، وحتى لو قلنا إنه لم يكن أمرًا مباشرًا فإن الروايات الأخرى فيها أنهم امتثلوا ما ظنوه أمرًا وتركهم النبي صلى الله عليه وسلم على ظنهم حتى شاص النخل، ويكون الأمر أشد في الروايات التي فيها تصريح بالنهي عن التأبير، وهذا مما يوجب الضمان كما يدل عليه حديث “من تطبب ولا يُعلم منه طب فهو ضامن”[22]، فكيف تصح نسبة مثل هذا للنبي صلى الله عليه وسلم؟[23].
- ذكر أن “الظن يخطئ”، وهذا مشكل من حيث إنه إثبات لكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بترك التأبير بناء على ظنه، وأما رواية طلحة خالية من هذا، وهو الأقرب الموافق لما عليه بقية أحاديثه عليه الصلاة والسلام، كقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو “اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج منه إلا حق”[24].
- لفظ “أنتم أعلم بأمر دنياكم”، أو ما شابهه من الألفاظ، كما جاء في بعض الروايات “ما كان من أمر دنياكم فشأنكم به، وما كان من أمر دينكم فإليَّ”، وهو اللفظ الذي لأجله جاءت هذه المقالة، وإشكالاته متعددة، ونكارته من عدة أوجه:
- أنه جعل المقابلة بين الدين والدنيا، والرواية الصحيحة فيها مقابلة بين الظن والوحي.
- أن الدين والدنيا ليسا من قبيل المتقابلات أصلًا، حتى يصح إسناد أحدهما للنبي صلى الله عليه وسلم والآخر للناس[25].
- ما جاء في الرواية من أن النبي صلى الله عليه وسلم يجعل الناس الذين يخاطبهم أعلم منه بالدنيا، وقد جرت العادة أن غير الأعلم لا يأمر الأعلم فيما هو فيه أعلم، وألا يستجيب الأعلم لمن هو أقل منه علمًا، وحاشا الصحابة أن يكونوا قد رأوا في أنفسهم أنهم أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم، وبرهان ذلك أنهم ما تلكأوا يومًا في تنفيذ أمره (الدنيوي) لأنهم -بلا شك- يرون أنه أعلم منهم بدينهم ودنياهم، وإن كثيرًا من التشريعات الإسلامية متعلقة بالدنيا تعلقًا واضحًا، كما قال رافع بن خديج في حديث المحاقلة مقدِّمًا بهذه المقدمة الإيمانية التي ملؤها تسليم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه “نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر كان لنا نافعًا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا”[26].
“ومعلوم لكل ذي لُبٍّ أن محمدًا صلى الله عليه وسلم من أعقل خلق الله، بل أعقلهم وأكملهم على الإطلاق في نفس الأمر”[27]
وبناء على الإشكالات السابقة فإن رواية طلحة هي المقدَّمة وهو ما يدل عليه صنيع الإمام مسلم كما تقدَّم.
إذن يظهر لنا جليًّا الهوى العلماني في إظهار هذه الرواية التي في إسنادها مقال، وفي متنها إشكال والسكوت عن الروايات الأخرى الأصح منها لأنها لا تخدم مرادهم!
بل وردُّ الأحاديث المتكاثرة المتواترة التي فيها أمر من النبي صلى الله عليه وسلم بأمور هي من قبيل الشأن (الدنيوي) كما يعبِّرون.
ولماذا لا يُظهرون قول الله تعالى {وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (البقرة:216)، مع أن سياق الآية ليس في الكلام عن أمر ديني محض، بل له تعلُّق بالدنيا؟!
وبعد كل هذا البيان لانتقائية القوم تبقى إشارة لطيفة هنا لتناقض يقعون فيه في سياق آخر، وهو أنهم يحتجون هنا بهذه الرواية وينتصرون لها ويقدِّمونها على ما سواها من روايات الحديث، وربما اغتسل أحدهم وتطيَّب قبل أن يذكر الحديث إجلالًا للمقام النبوي الشريف!
مع أن هذه الرواية جاءت من طريق حماد عن هشام عن أبيه، وهشام هذا كان غَرَضًا لسهامهم في حديث سن زواج السيدة عائشة رضي الله عنها، فالعلمانيون يقدحون في حديث سن زواجها من جهة كون راويه هشام بن عروة!
يبدو أن باء هشام تجرُّ حينًا وترفع أخرى!
معنى الرواية إن صحت
وعلى فرض صحة الرواية فالتأويل ليس بعيدًا وجمعها مع غيرها من الأدلة ممكن وليس متعذرًا، لكن لا على فهم العلمانيين -الذين هم أجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله- وبيان ذلك من وجوه:
- القاعدة العامة أن كل ما تناولته النصوص الشرعية -دنيويًا كان أو أخرويًا- يكون على سبيل التشريع، إلا ما دل الدليل أو القرينة على استثنائه، ويتأيَّد هذا بالرواية نفسها، فإن الصحابة حينما سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما فهموا منه إلا التشريع، حتى جاء الدليل الصارف عن التشريع إلى غيره، وما كان هذا إلا لفهمهم أن الله عز وجل أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقيِّد الاتباع بحال دون حال، أو في مجال دون آخر.
- الفهم الذي يُهدر الأحاديث الواردة في الشأن الدنيوي مخالف لفهم كافة العلماء، وفهم أهل العلم فيه توفيق بين الحديث وبين غيره من النصوص، يقول النووي شارحًا معنى الحديث “قال العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم “من رأي” أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على سبيل التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ورآه شرعًا يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله.. قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبرًا، وإنما كان ظنًّا كما بيَّنه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنُّه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق همه بالآخرة ومعارفها والله أعلم”[28].
ونصوص العلماء الكثيرة المتضافرة تؤكد أنه لا تخلو مسألة من حكم لله تعالى، يقول العلامة ابن بركة: “الحادثة إذا حدثت لا تخلو من حكم لله[29] فيها، إما أن يكون منصوصًا عليها بأخصِّ أسمائها، أو يكون منصوصًا عليها في الجملة مع غيرها”[30].
- قوله “أنتم أعلم بأمور دنياكم” يكون في الأمور التي لم يرد فيها دليل فيه حكم شرعي، وذلك في الأمور الموكولة إلى معارف البشر وتجاربهم، كشق الطرق، وبناء المصانع ونحوها من المعارف البشرية، فتكون على (البراءة الأصلية)، أما فهم الحديث على معنى أن كل ما عدا الشعائر هو شأن دنيوي لا حكم للشرع فيه فهذا فهمٌ يستبطن العقلية النصرانية في فهم الدين.
- المتأمل في ألفاظ الحديث يعلم أنه لم يخرج على سبيل التشريع، ولم ينه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة عن تأبير النخل، فقد قال “ما أظن ذلك يغني شيئا”، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن كلامه إخبارًا وإنما هو تقليب للنظر في نفسه، كما سبق نقل كلام النووي، وجاء في الرواية الثانية “لعلكم لو لم تفعلوا لكان خيرا” وقوله (أظن) و(لعل) يشير إلى أنه عليه الصلاة والسلام لم يكن جازمًا في قوله، ويؤكده ما جاء في آخر الحديث بعد تركهم للتأبير “فإني إنما ظننت ظنًا، فلا تؤاخذوني بالظن”، فلا يصح أن يقاس على هذا ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا جازمًا، وهذا ما يفهمه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث بريرة عندما فارقها زوجها وكان لها مُحبًّا وهي له مبغضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لها: “لو راجعتِه”، فقالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال صلى الله عليه وسلم “إنما أنا أشفع”، قالت: لا حاجة لي فيه[31]، فبريرة لم ترَ أن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لكونها من (شؤون الدنيا) غير واجبة الاتباع، ولذا سألته مستفصلة عن نوع الأمر أهو للإلزام أم أن لها مندوحة عنه.
وأظهر من الحديث لترسيخ هذا المعنى في نفوس الصحابة ما يجدونه في كتاب الله تعالى من الأمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتحذير من مخالفته.
- لو تنزلنا وقلنا بصحة الحديث، ثم تنزّلنا مرة أخرى وقلنا إن (الدنيا) يُقصد بها كل ما عدا العبادات من الشأن المدني، فلا يصح جعل هذا الحديث قاعدة كلية يقاس عليها كل ما يرد من أمر (الدنيا) وجعلها خارج دائرة التشريع، فإن لأهل العلم قواعد عند تعارض النصوص، ولا يصح أن يُهدر لأجل نص يتيم محتمل نصوص كثيرة متواترة، فعند عرض التعارض على قواعد علماء الأصول يظهر واضحًا أنه لا مجال للأخذ بهذا الحديث مقابل الأدلة المتكاثرة الأخرى[32]، وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن النص -كما هو الحال هنا- إذا سيق لمعنى غير بيان حكم وكان عامًّا لا يحتج بعمومه في الحكم[33]، “ووجه ذلك أن المتكلم إنما يعتني بالمعنى المقصود بالذات، وأما ما ذُكر عرضًا فإنه لا يعتني به، كأنه يَكِلُ تحقيق حكمه إلى موضعه.
ويقرب من هذا ما يقوله الفقهاء وغيرهم: إن المسألة إذا ذُكرت في غير بابها استطرادًا، ثم ذُكرت في بابها مع مخالفة، فالمعتمد فيها ما في بابها”[34]
يظهر بعد كل ما سبق أن الحديث له ألفاظ أصح من اللفظ الذي أذاعه القوم على أنه اللفظ الصحيح، وهذه الألفاظ الأصح مناقضة تمام المناقضة لمرادهم؛ فهي دالة على شدة اتباع الصحابة رضي الله عنهم لما يأتيهم من النبي صلى الله عليه وسلم، حتى بادروا بأمر لم يطلبه النبي صلى الله عليه وسلم منهم لظنهم أنه أراده.
وبعد هذا كله، فلو فرضنا التسليم بكل ما جاؤوا به، أن الحديث صحيح على فهمهم الذي أرادوه، يبقى سؤال أخير: إذا كنتم أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم بأمر دنياكم، فهل أنتم أعلم من الله -أيضًا- بها؟ لأن الدعوى -بفصل الديني عن المدني- لا تتم إلا بتجاوز ما في القرآن الكريم من أحكام تتعلق بالشأن العام، أم أن الأعلمية تستلزم الاستغناء التام عن الوحي والاحتكام إلى العقول المجردة؟
والله أعلم وأحكم.
Loading Viewer…
[1] محمد سليم العوا، السنة التشريعية وغير التشريعية، (مجلة المسلم المعاصر، العدد الافتتاحي)، ص33.
[2] مسلم (2361)
[3] مسلم (2362).
[4] الشِّيص: البُسر الرديء الذي إذا يبس صار حشفًا، وقيل أردأ البُسر.
[5] مسلم (2363)
[6] الخطيب البغدادي، الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، (2/212).
[7] أبو زرعة العراقي (الابن)، طرح التثريب في شرح التقريب، (7/181).
[8] أبو جعفر الطحاوي، شرح مشكل الآثار، (4/425).
[9] محمد رشيد رضا، تفسير المنار، (7/426).
[10] الدارقطني، العلل، (14/187).
[11] مسند البزار، (18/99).
[12] مسند البزار، (2/925).
[13] سير أعلام النبلاء، (7/110-111).
[14] ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين، (2/361).
[15] تهذيب الكمال في أسماء الرجال، (30/238-239).
[16] ابن رجب الحنبلي، شرح علل الترمذي، (2/815).
[17] رواه مسلم برقم (199).
[18] أسد الغابة في معرفة الصحابة (2/232).
[19] القطع به يحتاج إلى احتفاف قرائن كثيرة وقوية، فهذه العبارة غير مسلمة.
[20] عبد الرحمن المعلمي، الأنوار الكاشفة، ص29-30. وفي طريقة الإمام مسلم خلاف عند أهل العلم، فقد ذكر بعضهم أنه وفى بشرطه في صحيحه، وبعضهم يرى أن الأجل اخترمه قبل بلوغ المراد، على تفصيل لهم في المسألة.
[21] مجموع فتاوى ابن تيمية، (18/12).
[22] سنن أبي داود (4586) وغيره، ولعل أكثر أهل العلم على أنه مرسل.
[23] ذكر البعض حِكمًا لعدم تصحيح ظن المؤبرين سواء من النبي صلى الله عليه وسلم أو من الوحي مباشرة، وهي محل نظر، ولم يعرِض لمسألة الضمان، انظر: موسى شاهين لاشين، فتح المنعم شرح صحيح مسلم، (9/233).
[24] رواه أبو داود (3646)، وأحمد (6802).
[25] ما سبق من إشكالات في المتن مستفاد من بحث د. رشوان أبو زيد (دراسة حديثية نقدية لحديث “أنتم أعلم بأمر دنياكم”) مجلة كلية الآداب بسوهاج، العدد الثاني والخمسون، (1/199). واستفدت منه أيضًا في كلامه في الأسانيد فقد توسع في تخريج الحديث والكلام عن طرقه.
[26] رواه مسلم (1548).
[27] أبو الفداء ابن كثير، البداية والنهاية، (8/540).
[28] شرح النووي على مسلم (15/116).
[29] في الأصل (الله) ولعل الصواب ما أثبت. ففي المطبوع أخطاء كثيرة.
[30] ابن بركة، الجامع، (1/206) تحقيق: د. مصطفى باجو.
[31] رواه البخاري (5283).
[32] من جملة قواعد الترجيح التي يمكن أن نستدل بها هنا:
- ترجيح رواية عدد كبير على ما يرويه عدد قليل.
- ترجيح رواية صاحب القصة.
- ترجيح النص الصريح على غير الصريح.
- ترجيح المنطوق على المفهوم.
بل إن استعراضًا سريعًا لفهرس القواعد في الترجيح حال التعارض كافية لاستخراج عشرات المرجِّحات التي تُضعف استدلال المستدل بهذه الرواية، بل إن محاولة حصر أوجه الترجيح -لكثرتها- ضرب من العبث، وهذا يجعل دعوى تمسك العلمانيين بالنصوص بموضوعية تسقط من حالقٍ.
[33] ذكر القرافي هذه القاعدة في أكثر من موضع من كتبه، انظر: العقد المنظوم في الخصوص والعموم (2/129)، الفروق (3/130).
[34] عبد الرحمن المعلمي، رسالة في حقيقة التأويل، ص117.



