الفطرة ودلالتها على الإيمان بالله

عبد الله بن سليمان المسروري
الحمد لله العزيز العليم، الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم، والصلاة والسلام على رسولنا الكريم، وعلى آله وصحبه ذوي الصراط المستقيم.
أما بعد:
إنَّ قضية الإيمان والأسس المعرفية التي يقوم عليها الإنسان هي من أبرز المسائل التي شغلت الفكر الإنساني عبر الأزمان، وتعتبر الفطرة منطلقًا أساسيًا لفهم علاقة الإنسان بربه، ومدخلاً لتفسير استعداده لتلقي الهداية، فالإنسان خُلق لا يعلم شيئًا، ثم منّ الله عليه بالإدراك والمعرفة، وأودع فيه قابلية التمييز بين الخير والشر، وهنا يبرز السؤال: بماذا يُدرك الإنسان الحقائق الإيمانية الأولى؟ أبعقله، أم بفطرته التي جُبل عليها؟
ويحاول هذا المقال تسليط الضوء على مفهوم الفطرة وخصائصها، وعلاقتها بالإيمان.
أولاً: معنى الفطرة وخصائصها
تدل كلمة الفطرة في اللغة على الخِلقة والابتداء والاختراع، ومن معانيها الجِبِلَّة والطبيعة والصبغة التي يُنشأ عليها الشيء ابتداءً(١)، أما في الاصطلاح، فقد تنوعت عبارات العلماء في بيانها؛ فذكر ابن سينا أن معناها أن يُتخيَّل الإنسان كأنه وُجد في الدنيا عاقلًا راشدًا دون أن يسمع رأيًا أو يعتنق مذهبًا، وإنما يدرك المحسوسات ويفهم منها الخيالات والمعاني الأولية(٢)، وعرّفها الراغب الأصفهاني بأنها إيجاد الشيء على هيئة مترشّحة لفعلٍ مخصوص، وفطرة الله هي ما ركّزه في الإنسان من قوةٍ على معرفة الإيمان(٣)، وأما ابن عاشور فعدّها النظام الذي أوجده الله في كل مخلوق، والفطرة التي تخص الإنسان هي ما خُلق عليه جسدًا وعقلاً (٤)، وبيّن القطب اطفيش في سياق شرحه لمعاني الفطرة عند تفسير الآية أنها الإسلام أو الحجة أو التوفيق، أي ما يُطهّر القلب من الكفر والمعصية(٥)، وقوله الإسلام هنا يُفهم منه سياقًا قابلية الفطرة واستعدادها الجبلي لتلقي الإسلام، ويُحتمل أنه في معرض ذكر الأقول التي قيلت فيها، ولا يلزم أن يوافقها عند نقله.
وتتجلى مظاهر الفطرة جسديًا في عدة أمور، منها: التقام الرضيع لثدي أمه دون غيره، والمشي بالرجل، والأخذ باليد، وحب الشهوات، والدوافع الغريزية، وأما عقليًا فتكون صورتها في قدرة العقل على استنتاج المسببات والنتائج وفهم البديهيات والمسلمات.
ومن خصائص الفطرة أنها ليست علمًا، بدليل قوله -سبحانه-: ﴿وَٱللَّهُ أَخرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَـٰتِكُم لَا تَعلَمُونَ شَيئًا﴾ [سورة النحل: ٧٨] ، كما أن الناس متساوون فيها، كما قال الله -تعالى-: ﴿ فِطرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیهَا﴾ [سورة الروم: ٣٠]، وفي (أل) هنا دلالة على استغراق الجنس ليشمل كل الناس، وهي كذلك جزء من تكوين الإنسان معنوي جبلِّي، فالفطرة ثابتة عند جميع البشر، ولا يملك أحد تغيير جوهرها، وتمثل الأساس الذي يُبنى عليه قبول الحق والهداية.
ثانيًا: الفطرة في القرآن الكريم
خلق الله الإنسان وركب فيه العقل، وشرع له الدين، وأمره بالإقبال على الحق، كما جاء في قوله -تعالى-: ﴿فَأَقِم وَجهَكَ لِلدِّینِ حَنِیفًا فِطرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِی فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَیهَا لَا تَبدِیلَ لِخَلقِ ٱللَّهِ ذَ ٰلِكَ ٱلدِّینُ ٱلقَیِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعلَمُونَ﴾ [سورة الروم: ٣٠]، وتشير هذه الآية إلى أن الدين متوافق مع الفطرة، فوصف الإسلام بأنه فطرة الله معناه أن أصل الاعتقاد فيه جار على مقتضى الفطرة، وأما تشريعاته وتفريعاته فهي: إما أمور فطرية أيضاً؛ أي جارية على وفق ما يدركه العقل ويشهد به، وإما أن تكون لصلاحه مما لا ينافي فطرته، فالإنسان لا يكتفي بفطرته ليستدل بها على دينه، بل يحتاج إلى استدعاء عقله للتدبر في نظم الأسباب والنتائج لتأكيد وجود الخالق.
وتظهر دلائل الفطرة أيضًا في قدرة الإنسان على التمييز بين الخير والشر، وفي إدراك الواجبات الأخلاقية والاجتماعية، كل ذلك يمهد الطريق للهداية ويضع أساسًا لقبول الحق، لكنه يظل وسيلة تمهيدية وليست دليلًا مستقلاً مكتفٍ بذاته(٧-٩).
ثالثًا: الفطرة في السنة النبوية
تؤكد السنة النبوية على طبيعة الفطرة في الإنسان واستعداده الأولي للإيمان، فقد ورد عن النبي ﷺ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»⁶، هذا الحديث يستدل به فريقٌ من المتكلمين ممَن فسّر بأن الفطرة نفسها تأتي بمعنى الحنيفية أو الإسلام، وذلك يقضي أن تكون الفطرة وحدها دليل برهان يُكتفى به للإيمان، وإنما يطرأ عليها من المغيرات ما يصنعه الأبوان من تهويد وتنصير وغيره، فلو نشأ الإنسان مثلاً في بيئة خالية من المؤثرات لكان مسلمًا، ولكن رُدَّ عليهم بأن في الحديث رواية بزيادة عند الإمام مسلم: «فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ ، فَمُسْلِمٌ»، فلو كانت فطرة الإنسان مقتضية لذلك لما كفر الإنسان، ولما أُمِر المربي بتلقينه الإيمان -وهو أول الواجبات- وتحذيره من العصيان، فهي أشبه ما يكون بوعاء طبيعي يحتوي الإيمان بدلائل العقل والجوارح، ويحتاج إلى التوجيه والتعليم وهذا من حكمة الله -سبحانه- في إرسال الرسل، إذ أن الفطرة تمهيد لقبول الحق، أما التعليم والتوجيه فيجعل من هذه الفطرة تستمسك بالإيمان، وعليه يظهر الدور التكاملي بين الطبيعة البشرية والتشريع الإلهي حيث تحتاج الفطرة إلى العقل لتفسير الظواهر والوصول لأصل الإيمان، وإلى الوحي لتلقي النصوص والبراهين والشرائع.
رابعًا: دلالة الفطرة على الإيمان بالله
إن الفطرة بما أودع الله فيها من إدراكٍ وتمهيد للحق تُعدّ دليلاً على وجود الخالق، فالإنسان يدرك في نفسه بعقله أن لكل حادث سببًا، ولكل نظامٍ منظمًا، ولكل صنعةٍ صانعًا، وهذا الإدراك لا يحتاج إلى برهانٍ خارجي قاطع ما لم تنحرف الفطرة وتتبدل.
غير أن الفطرة وحدها لا تكفي للوصول إلى الإيمان، لكنها تهيّئ القلب لقبول دعوة الوحي وتفتح أمام العقل أبواب التأمل في دلائل الخلق، ولهذا جاءت النصوص القرآنية دافعةً إلى النظر والتفكر، كما في قوله -سبحانه: ﴿ قُلِ ٱنظُرُوا مَاذَا فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلأَرضِ وَمَا تُغنِی ٱلأیَـٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوم لَّا یُؤمِنُونَ﴾ [سورة يونس: ١٠١] ، إذ يُدرك العقل بصفاء الفطرة أن هذا الكون المحكم لا يقوم بذاته، وأن وراءه خالقًا عليمًا حكيمًا.
إن دلالة الفطرة على الإيمان تظهر في مواقف الإنسان الفطرية الخالصة، كالتجائه إلى الله في الشدائد، وشعوره الداخلي بالطمأنينة عند ذكره، ونفوره من الظلم والشر، وهذه الدلالات لا يفسرها المنطق المادي، بل تشهد على وجود خالقٍ أودع في النفس قانونها الأخلاقي ووَجْدها الإيماني، وهذه المظاهر الفطرية إن أعمل العقل فيها النظر والفكر كانت بنفسها دالةً على الإيمان.
فالفطرة إذًا تمثل المرحلة الأولية في رحلة الهداية، والعقل هو أداة التحقيق ومحل التفكر، والوحي هو أساس وصول الشرائع، فلو أن إنسانًا عاش في جزيرة مهجورة ولم يصله شيء من الوحي فإنه لا يُعذر عن أصل الإيمان، وهو الإيمان بالخالق -سبحانه- إذ أنه يستطيع الاستدلال على وجود الخالق بنظره في الخلق من حوله، وذلك كافٍ لسلامته، ولو لم يهتدِ إلى سائر الأحكام الشرعية التي تدرك بطريق النقل لكونه معذورًا حتى يصله الدليل.
الخاتمة
يتضح مما سبق أن الفطرة في الإنسان تمثل استعدادًا طبيعيًا للإيمان بالله -تعالى-، لكنها وحدها لا تهدي إلى المعرفة الكاملة، إذ يحتاج الإنسان إلى تأمل عقلي وتفكير في آيات الخلق لتفعيل هذا الاستعداد الفطري. وهكذا، تصبح الفطرة وسيلة تمهيدية، والعقل أداة استدلال، وكمال الإيمان ومن الشرائع لا يتم إلا بالوحي، ليصل الإنسان إلى الإيمان.
لتنزيل المقال اضغط هنا
المراجع
- ابن فارس، مقاييس اللغة، الأعملي للمطبوعات، بيروت، 2012، ص713.
- ابن سينا، النجاة في المنطق والإلهيات، دار الجيل، بيروت، د.ت، ص36.
- الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، دار القلم، دمشق، 1444هـ/2022م، ص510.
- ابن عاشور، التحرير والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984، ج21، ص91.
- اطفيش، محمد بن يوسف، تيسير التفسير، وزارة التراث، عمان، 1438هـ/2018م، ج11، ص127.
- أخرجه البخاري واللفظ له (رقم الحديث: 1358)، ومسلم (رقم الحديث: 2658).
- الوارجلاني، يوسف بن إبراهيم، الدليل والبرهان، وزارة التراث، مسقط، 1403هـ، ج3، ص8.
- الثميني، عبد العزيز بن إبراهيم، معالم الدين، وزارة التراث، مسقط، 1407هـ/1986م، ج1، ص44.
- الكدمي، محمد بن سعيد، الاستقامة، وزارة التراث، مسقط، 1403هـ/1983م، ج2، ص8.



