منظومـة: الأدلـة إلى معرفـة الأهلـة

الناظم: بخيت بن محمد بن علي المقيمي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للهِ الذي جعلَ الأهِلّةَ مواقيتَ للناسِ والحجّ، وأجرى بنظامها حسابَ الأزمنةِ والعبادات، والصلاةُ والسلامُ على سيّدنا محمدٍ الذي أرشدَ إلى اعتبارها وأبانَ أحكامها، وعلى آله وصحبه وشرّف وكرّم؛ أمّا بعد فقد شرعتُ ـ مستعينًا بالله تعالى ومتوكّلًا عليه ـ في نظم هذه المنظومة اللطيفة الموسومة بـ “الأدلّة في معرفة الأهِلّة”، قاصدًا بها جمعَ أهمّ معايير رؤية الهلال التي متى تحققت واجتمعت أمكنت الرؤية عبر المراصد والتلسكوبات، على وجهٍ موجزٍ يقرّب المعاني، ويعينُ على الاستحضار .
وقدشرُفت بعرضها على سماحة الشيخ العلامة أحمد بن حمد الخليلي ـ متّعنا الله بحياته وأسبغ عليه لباس الصحة والعافية، وأدام بعلمه النفع والهداية، وذلك بتوجيهٍ كريمٍ من شيخي الرضيّ حمود بن حميد الصوافي رعاه الله وحفظه وأتم عليه العافية ، أثناء زيارته لولاية سناو يوم السبت بتاريخ ٧ شعبان ١٤٤٠هـ رجاءَ تقويمها وتسديدها، وسعيًا لأن تكون عملًا نافعًا، وخدمةً متواضعةً لهذا الباب الشريف من أبواب العلم.
والله أسأله أن يجعلَ هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا ومعينًا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، والتوفيق للسداد والصواب. فما كان فيه من صوابٍ فمن الله وحده فضلاً ومنةً، وما كان من خطأٍ أو تقصيرٍ فمن نفسي عجزًا وغفلة، والله أسأل أن يتداركه بعفوه، وأن يجعله في موازين الحسنات أجرًا وذخرًا يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.
وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم ، والحمدُ لله ربّ العالمين.
منظومة: الأدلة إلى معرفة الأهلة
يَسألُك الناسُ عن الأهلّه | هي المواقيتُ هيَ الأدلّه |
فاللهَ نحمدَنْ ، بِهذَا وَفَّقا | لِضَبْطِ مَا يلزمُ حمدًا مُطلقا |
| والمصطفى بيّنَ شرعَ ربِّه | وكلَّ ما يهدي لنيلِ قربهِ |
صلّى عليه ربُّه مُكَرِّما | لَهُ وصحبِه الهدى وسلَّما |
| هجرتُهُ كانت لهذي الأمَّه | فتحًا وتأريخًا لَها ونِعمه |
تأريخُنا الهجريُّ حقًّا أرّخا | بهِ الذي في دينهِ قد رَسَخَا |
| فاتَّبعِ الإسلامَ أنّى سارا | وخَالفِ اليهودَ والنصارَى |
وهاك نظمًا زان في أشعارِهِ | في القمَرِ اللائحِ في مداره |
| بدايةُ الشهرِ بلا إشكالِ | تُعرفُ عندَ رؤيةِ الهلالِ |
وليسَ مِن ولادةِ الهلالِ | إذْ فيه ما فيه مِن الإشكالِ |
وليس مَعْنى وُلِدَ الهلالُ | ظهورَهُ، إذ طَوْرُه أشكالُ |
| فمنهُ طَوْرٌ لا يُرى إطلاقًا | وهو الذي يدعونه مَحاقا |
لذاك فاعرفْ أنما الولاده | هيَ المحاقُ دونما زياده |
| وسَمِّها أيضًا بـالاقترانِ | أو أنَّ الاستسرارَ لفظٌ ثانِ |
وبعدَه طورُ الهلال، واعتَبِرْ | بدايةَ الشهرِ به عندَ النظرِ |
| وربَّما ظُنَّ بأنَّ وُلِدا | بدايةُ الظهورِ حينَ اعتُمِدا |
وسائلٌ: متى انتقالُ القمرِ | مِنَ المحاق لـلهلال؟ فانظر |
| فإنّ ذا الخبرةِ والتخصصِ | وراصدي أهلةٍ بذا اخْصُصِ |
وهاك توضيحًا يُجلِّي المعنى | يسرُّ مَنْ أحبَّ هذا الفنَّا |
| أولّهُ: التحرِّي لا يكونُ | قبلَ غروبِ الشمسِ يا مأمون |
إذ الهلالُ خفتَتْ إضاءَتُهْ | وهو نحيلٌ تستحيلُ رؤيتُه |
| كباحثٍ عنِ النجومِ ظُهرا | معْ شدّةِ الضوء، فأنّى تُدْرى؟! |
والثاني: الانتظارُ بعضَ مُدّةِ | بعد غروبِ الشمسِ حينَ ولّتِ |
| لأنما شدّة ضوءِ الغَسَقِ | تطغى على نورِ الهلال المحدِقِ |
أضفْ إلى ذلكَ أنَّ القَمَرا | يجري فلا يبقى هنا منتظرًا |
| طلوعُه غروبُه كالشمسِ | هذا على التقريب بين الإنس |
لكنَّما غروبُ هذا القمرِ | في كلِّ يومٍ آلَ للتأخرِ |
| بِقَدْرِ خمسينَ دقيقةً ذُكِرْ | فزِدْ بكلِّ ليلةٍ هذا القَدَر |
إنْ غابَ هذا اليومَ في السابعةِ | غدًا كمثلِها معَ الزيادةِ |
| ورؤيةُ الهلالِ إن تحققَّت | بين الغروبين بها الشهرُ ثبت |
بين الغروبينِ هناك يُنتظر | ظهورُه وسمِّه مكث القمرْ |
| والاقتران المركزيُّ ظاهرُ | ليس به في العالَم التغايرُ |
وذاك في حال وقوعِ القمرِ | بين الذُّكا والأرضِ في المعتبر |
| تكونُ في استقامةٍ وينتصفْ | بينهما الغاسقُ ليس ينحرف |
ولحظة اقترانِهِ سَطْحِيَّا | ليست كما قد جاء مَرْكَزِيَّا |
| فهذه لكونِ رصدِها جرى | في الأرض فالموقعُ فيها أثَّرا |
فكلُّ موقعٍ على الأرض اختلف | موعدُه للاقترانِ المكتنف |
| شاهده بأن ترى الكسوفا | مختلفًا موعدُه مألوفًا |
وأنت تدري أنَّ من يرى | ولادةَ الهلال تُعطي أثرا |
| قد رتبوا بها ابتداءَ الشهر | أي موعد المحاق حكما يجري |
والأصل أن يعتمدوا السطحيا | حتى يكون قولُهم رضيًّا |
| فلا همُ ارتضوا هلالَ الشهر | ولا المحاقَ عند أهل الخُبرِ |
وبعد أن تحقَّقَ الإمكانُ | من رؤيةِ الهلالِ والأمانُ |
| عليك أن تعلمَ يا ذا البصرِ | خيرَ معاييرَ لدرْكِ القمرِ |
أولها: المحاقُ قطعًا حصلا | قبل غروب الشمس، فادرِ السُبلا |
| أما غروبُ القمر المنتظرِ | بعد غروب الشمس في المعتبَر |
لذاك قال البعض: لو دقيقه | مُكْثُ الهلال، أثبِتُوا طريقه |
| لأنه تحقَّقَ المعيارُ | ولم يكنْ للرؤيةِ اعتبارُ |
لكنَّ ذا المعيارَ لم يتَّسمِ | بدقةٍ بالغةٍ فلتعلمِ |
| إذ الحسابُ لم يجئْ مسلطًا | على محاق السَّطحِ ذا عينُ الخطا |
وهو الذي حسابه يُحَدَّدُ | من موقع الراصدِ حين يرصدُ |
| وذا المحاق جائزٌ في الحسِّ | أن يَقَعَنْ بعد غروب الشمس |
لو كان ذاك المركزيُّ وقعا | قبل الغروب، لم يُفِدْ قلبًا وعى |
| فلا اعتبارَ بـحساب المركزي | بل غيرَه بالاعتبار ميّزِ |
حتى ولو قيل: بأنَّ القمرا | يغرب بعد الشمس كن مختبراً |
| لأنما تغيبُ حافةُ القمرْ | أسفلُه المضيءُ قَبْلًا فادَّكر |
وفارقُ الزمان في الغروب | للحافتين فهو بالتقريب |
| دقيقتان أربعون ثانيه | أو أنها ثلاثة علانيه |
لذاك كان ينبغي كي يُدْرَكا | وكي ترى لذا المقالِ مسلكا |
| على الأقل أن يغيب القمرُ | بعد ثلاثٍ، دونها لا ينظر |
ولو فرضنا أُجري التعديلُ | لِمَا عليه ينبغي التعويل |
| فَضُبِطَ الحسابُ في المحاق | وفي غروبِ البدرِ باتساق |
فإن ذا المعيارَ ليس كافيا | لوحده فكن بذاك داريا |
| وثاني معيارٍ لديهمُ اذكُرِ فق | يا واعيًا معيارُ عُمْرِ القَمَر |
وعُمرُه يبدأ بالمحاق | لحين رصده بلا شقاق |
| فإن يزدْ في حالِ ما غاب الطَّفَل | عن مدةٍ مِن ساعةٍ فقد قُبِل |
فقيل: أن يزيد خمسَ عشْرَه | لكنَّ في انضباط هذا نَظْرَه فقد |
| فقد يزيد عمره بأكثرا | يُستعمل المرقاب لكن لا يُرى |
واستعملوا معيار مكث القمر | والخلف في تحديده في النظر |
| فقيل: نصف ساعة إن غربت | يمكنهم رؤيته إذا ثبت |
لكنَّ ذا المعيار أيضا لم يصل | لذروة الدقة إذ به خلل |
| إذ زاد مُكْثُ البدرِ عن ذي الحاله | ولم يُرَ الهلالُ لو بالآله |
واستعملوا معيار الاستطاله | وهاك تبيانا بلا ملاله |
| فكلما ازدادتْ هنا استطالتُه | عن الذّكا ازدادت بذا إضاءتُه |
وشأن ذاك أن ترى تحسُّنا | في رؤية الهلال إذ تبيّنا |
| والخلفُ في تحديدِ قدرِها الذي | عليه الاعتبارُ عند المحتذي |
هل ستة من درجاتٍ تحصل | أو سبعةٌ أو فوقها يا رجل؟ |
| وإن يكن خلافهم قد عنَّا | لكنه يُقبل حدٌّ أدنى |
فإن تكُ استطالةُ الهلالِ | أقلَّ من ستٍّ من الأحوال |
| فإنه لا يمكن القَبولُ | برؤية وفوقَها مقبولُ |
ووقع الإجماعُ من أهل الفلك | بصحة المعيار ذا من غير شك |
| وإنما شذَّ الذي اعتمادُه | على الشهودِ ، مِن هُنا فسادُه |
وفي الحساب الفلكيِّ يوجدُ | خلافُ أهلِ الفقهِ، هل يُعتمدُ؟ |
| قيل: نعم، لأنه قد صارا | في دقَّة التحديد لا يُبارى |
وقيل: لا، فشرعُنا لم يجعلِ | له اعتبارًا هاهنا فأهملِ |
| وليس ذا لخللٍ في صحتِه | وإنما صيامُنا لرؤيتِه |
وقيل: بل يُعتَمَد الحساب | في ردِّ ما به هنا يُرتابُ |
| إذ ترفضُ الشهادةُ التي بها | رَيبٌ يلوحُ عند كل النُّبَها |
فكيف إن خالفتِ القطعيّا؟ | تردُّ، لو صاحبُها تقيّا |
| وقرَّروا في كلِّ مُدّعي الذي | يُكذِّب الحسَّ فدعواهُ انبُذِ |
لإجل هذا فاجعل الحسابا | دليلَ نفيٍ يكشف الأسبابا |
| وإنّه يبيِّنُ الإمكانا | لرؤيةٍ ويوضحُ البيانا |
وقد رأيت أن في الإثبات | لم يكنِ الأمر على ثبات |
| لذاك لم يُعَتَمدِ الحسابُ | إذ بالرؤى تعلّقَ الخطاب |
لذاك لا معنى مع الأدلّه | لمن يقول: وحّدوا الأهله |
| وليس في ذلك من تعصُّب | لمن وعى حديثَهم لمذهب |
فمعظم المذاهب الأربعةِ | وهو الذي عليه جُلُّ الأمةِ |
| قد ذكروا اختلاف ذي المطالعْ | فانظر إلى ما كتبوا وطالِع |
وذاك معلومٌ معاينٌ وقد | رووا عن البحر عليه المستند |
| إذ ما اكتفى برؤية في الشام | والحمد لله على التمام |
لتنزيل المنظومة اضغط هنا
