من صحائف الروّاد

المقال الرابع من سلسلة مقالات أبي إسحاق: الحكومة الإباضية في عمان في القرن الثاني

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

-4-

 صفحة من تاريخ الإباضية:

الحكومة الإباضية في عمان في القرن الثاني([1])

لما استبدَّ محمد بن أبي عفّان اليحمدي، وخالف سيرة الحق هو وعماله، فعزله المسلمون، اجتمع أهل الحل والعقد برئاسة شيخ الإسلام يومئذ وإمام العلم؛ العلامة موسى ابن أبي جابر من بني سامة بن لؤي بن غالب، وكان من فحول أئمة العلم، ومن أهل الجد والشجاعة والإقدام، فمع كبر سنّه كان كثيرًا ما يسيرُ مع الجنود لرعاية سير الأحكام، وترقُّبِ الحركاتِ عن كثب، والسهر على واجب الدين، فبايعوا الإمام العادل الوارث بن كعب الخروصي اليحمدي، وهو إمام من الخروصيين.

أحضرَ أهل الرأيُ والمشورة العلامة الإمام موسى ابن أبي جابر، وهو شيخٌ مسنّ، مشدودٌ على حاجبيه بعمامة، وكان نائمًا في المعسكر على سرير، فأخذ بيد الوارث فبايعه إمامًا هو ومن معه من المسلمين في بلد (نزوى) سنة تسع وسبعين ومئة [179هـ] على ما بويع عليه أئمة العدل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيل الله، وإظهار الحقّ، وإخماد الباطل، وقتال البغاة والممتنعين عن الحق حتى يفيئوا إلى أمر الله، لا يستحلون منهم غنيمة مال، ولا سبي عيال، ولا انتحال هجرة بعد النبي g، ولا يَسِمونَ أهل القبلة بالشِّرك ما بيّنوا الشهادتين، فقام بالحقِّ ونشر العدل؛ فبسطت شمس الحرية أشعتها على تلك الربوع العامرة، واقتفى أثر السلف الصالح في جميع أعماله، والأمةُ عنه راضيةٌ مؤازرةٌ، والكلمةُ مجتمعةٌ حولَه.

وكانت أيامُهُ أيامَ سعادة ورفاهية واطمئنان وإنكسار سورة النفوس التي تفتُّ في عضد الأمة، وتهيّج في شغب الأمور، واضطراب الأحوال. ولا غرو؛ فإنّ العدل متى قُرِنَ بإرادة قويّة وعزيمة ثابتة، ظهرتِ الصّالحاتُ في أثوابها القشيبة، وعرزت([2]) المفاسد؛ بل انبترت واجتثت أصولها، وتلك الأيام هي التي تتوق إليها الهمم الطاهرة، والنفوس الكبار لتبديَ لبني الإنسان ما منحها الله من المواهب السامية.

ولقد قامَ بالأمر هذا الإمام الأفخم خيرَ قيام، فوضع الأشياءَ في مواضعها، وصرف الحقوقَ لأهلها، كما أمر الله تعالى، وأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم، فكان أحسنَ مثالٍ يُحتذى، ولم يَشُذَّ عنه إلا أخوهُ فقد ذُكر أنه تخلّف عنه.

وفي مدّته أرسل هارون الرّشيد قوّة تحت قيادة عيسى بن جعفر بن المنصور إلى عُمان للاستيلاء عليها في ستة آلاف مقاتل فيهم ألف فارس، فكتبَ أحد أركان حربه وهو داود بن يزيد المهلبي([3]) إلى والي صحار من قبل الإمام يُخبره بذلك وهو مقارش بن محمد اليحمدي، فلّما بلغَ الأمرُ إلى الإمامِ الوارثِ وجّهَ مقارشًا إلى الجند القادم في ثلاثة آلاف فالتقوا بمكان يُقال له (حتّى) فانهزم عيسى بن جعفر حتى بلغ مراكبه في البحر، فاقتفى أثرَهُ أبو حميد بن فلج، وعمر بن عمر من قوّاد الإمام في ثلاثة مراكب، فأسر أبو حميد عيسى بن جعفر، فانطلق به إلى صحار فحُبس بها، وكان الإمامُ قد خرج من العاصمة وقتئذ (نزوى)، فبلغه خبر الهزيمة عندما بلغ (سيفم)([4])؛ فرجع إليها فقام في الناس خطيبًا، فقال: «أيها الناس؛ إني قاتل عيسى بن جعفر فمن كان معه قول فليقل -مستشيرًا لأهل الرأي والمشورة من العلماء- فتكلَّم أحد الجهابذة وهو العلامة عليّ بن عزرة، فقال: إن قتلته فواسع لك، وإن تركته فواسع لك، فأمسك الإمام عن قتله، وتركه في السجن إلا أنه اغتيل فيه من حيث لا يدري الإمام ولا الوالي».

ولم يزلِ الإمامُ الوارثُ حسن السيرة قائمًا بالعدل إلى أن ذهب شهيد المروءةِ والإحسانِ، وذلكَ أنّه كان في سجنه جماعة، ولعلهم أسرى كما ذكر بعض الكاتبين، والسجنُ قريبٌ من الوادي فسالَ جارفًا، فقيلَ للإمام إنَّ الوادي سيلحق من كان بالسجن، فأمر بإطلاقهم، فما جَسَرَ([5]) أحد أن يقدم إليهم خوفًا من طغيان الماء، فقال الإمام: «أنا أمضي؛ إذ هم أمانتي وأنا المسؤول عنهم يوم القيامة».

فمضى إليهم واتبعه سبعون من أصحابه، فمر بهم الوادي بعد أن افتكّوا المعتقلين، فحملهم فغرقوا كلهم، ووجدت جثّته ثاني يوم بعد أن انقطع الماء متعلقة بشجرة، فدفن رحمه الله عنه بعد جفاف الوادي بين العقر وسعال (قريتان)، وذلك بقرار أهل الرأي والحكمة دفعًا لما وقع من المشاجرة بين أهل القريتين كلٌّ يريدُ دفنَهُ في قريتِهِ.

كانت إمامتُهُ اثني عشر سنة وستة أشهر إلا أيامًا، توفي يوم الاثنين لأربع ليالٍ من جمادى الأولى سنة (192)، وفي مدَّتِهِ توفيَّ شيخ الإسلام العلامة موسى ابن أبي جابر الإزكوي عن سن يناهز أربعًا وتسعين سنة، قضى جلّها في خدمة العلم والدين والأمة، حتى بلغَ مبلغًا عظيمًا من الاحترام لدى الأئمة وأهل العلم، وقبل مبايعة هذا الإمام بسنة توفيّ أحد الأئمة المجتهدين، وقطب من أقطاب العلم الشيخ بشير بن المنذر النزواني العقري جدُّ بني زياد، وهو من بني سامة بن لؤي بن غالب، وأحدُ حملة العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي البصري.

وبعد وفاةِ الإمام وارث؛ بايع المسلمون غسان بن عبد الله اليحمدي من (الفجح)، يوم الاثنين سادس جمادى الأولى سنة (192)، ذكر المؤرخون أنه بايعه أصحابُ الرأي والمشورة من رجال الدولة وأئمة العلم على أن يعمل بالكتاب والسنة وآثار السلف الصالح، وعلى إعزاز الدين وأهله، فكان في أعماله خير خلفٍ للإمامِ الوارثِ فشمّر عن ساقِ الجد، وكان أحزم رأيًا وأمضى عزيمة، أخذ بيد العلماء العاملين فظهرت طائفة كبيرة منهم جهابذة، وأئمة في الفنون؛ فنفق سوق العلم، وضرب على أهل الدّسائس والفساد، فقضى على الحشوة الذين دأبهم الشغب والعتو.

ومن حزمِهِ؛ أنه كان يتجول في مملكته بنفسه متفقدًا الأحوال وسير الأحكام مستطلعًا أنباء أطراف المملكة وأمور الرعية، فلما شاهد عسف العصابات البحرية ولصوص الشواطئ -التي كانت تعبث بطول شاطئ العرب إلى شطوط الهند- وجّه فكره الوقاد وعزيمته الماضية إلى إنشاء أسطول من الشذاآت([6]) فأحضر قسمًا صالحًا، وكانت العصابات اللصوصية البحرية من قرصان الهنود.

وهذا الإمام أول من أنشأ الأسطولَ لعمان؛ لا الإمامُ الوارثُ كما ذكر بعض الكاتبين، فأرسلَ أسطولَهُ في البحرِ فظهر طول الساحل العربي إلى حدود فارس من معرّة اللصوص، ثم طاردهم إلى شواطئ الهند حتى انقطع أثرهم فأراح الله منهمُ البلادَ والعبادَ، فوجّه همته إلى إصلاح داخل البلاد، فأتاحَ اللهُ للبلاد خصبًا عظيمًا، فعمّ الرخاء وانتظم أمر المملكة انتظامًا عظيمًا، وأمر بإجراء المياه والتُّرَع([7]).

ومما يدلُّ على حزمه وعدله واهتمامه بما كلفه الله به من أمر العباد، أنَّ من عادته زيارة قبر الإمام وارث كل جمعة فمر يومًا على الغيل (الماء الجاري على الأرض) الذي بالوادي في طريقه، فرأى في بعض جوانبه طحلبًا، فأثر في نفسه ذلك، وقال: «هذا أثر عن تغيير وقع في البلد»، فأرادَ اكتشاف الحقيقة والوقوف على السبب، فأحضر أهل الأموال، فقال لهم: «أنا أريد حرب الهند، وبيت المال لا يكفي، وأريدُ أن أجعل على التجارِ قرضًا يكون أداؤه من بيت المال، وأشاوركم في ذلك»، فقال أصحاب الأموال: «التجار يسعون بالفائدة، وإن قلّت دراهمهم، ضاعت المعاملة بيننا وبينهم، ونحن أرباب الأموال والقرضة علينا بما تريد». فقال: «لا غير ها هنا».

ثم أحضرَ التجار، فقال لهم: «أريد أن أحارب الهند، وخزانةُ بيت المال لا تكفي بمقاومة الحرب، وأناظركم أريد أن أجعل قرضة على بيت المال، لتقويم هذا الحرب من أرباب الأموال، فما ترون؟»، فقال التجار: «أصحاب الأموالِ أهل حرث، وأكثر الحروث لا تكفي مغرم ما عليها، وليس في أيديهم شيء مما يكفي لذلك». فقال الإمام: «لا غير ها هنا».

ثم أحضر الوزراء وأرباب الدولة، فقال: «أريد أن أجعل قرضة على أرباب الأموال والتجار في بيت المال لحرب الهند، فما ترون؟»، فقالوا: «هذا شيء وقع في قلوبنا من قبل». فأدرك في نفسه أن الغِيَرَ جاءت من قبلهم، وأنهم أضمروا سوءًا للأمة أو لبيت المال، فاستبدل بهم غيرهم، فلما مرّ في الجمعة الثانية كعادته لزيارة الإمام وارث على الغيل لم يرَ شيئًا في الماء، بل رآهُ زائدًا عن أصله، وبالعدلِ قامت السماوات والأرض.

وعاصمة الإمامة إذ ذاك (نزوى)، وأُطلقَ عليها بيضةُ الإسلام، وكانت تسمّى قبل ذلك تختُ ملك العرب، ولهذا الإمام الجليل آثارٌ عظيمة، وأعمالٌ فاخرة خلّدها له التاريخ، وقد ظهر في مدته بعض المجرمين الذين لا يعيشون إلا في الفوضى والتهويش وضروب الدسائس؛ كراشد بن شاذان بن غسان بن سعيد بن شجاع الهنائي من بني محارب، فإنه سار إلى (دما) فانتهبها، وقتل قومه واليها، فاقتفى الإمام آثارهم إلا أنهم انفلتوا من يديه، وبعد مدة أقبل راشد فسلّم نفسه لبني (الفجح) رهط الإمام، فأخذوا له ولأصحابه أمانًا من الإمام فلم ير بُدًّا من العفو عنهم درءًا للفتنة، وجلبًا للسكينة، وأعدمَ كثيرًا غيرهم، وللشراةِ([8]) أثرٌ حميد في حماية الأمة والسهر على الأمن.

وتوفي شيخ الإسلام في عهده المحقق الشيخ علي بن موسى رحمه الله، ثم كان العلامة المتفنن الشيخ سليمان بن عثمان رحمه الله المرجع في الفتوى للإمام، ولهذا الإمام مجلس يجمع فطاحل العلماء، وأكابر المجتهدين يستنيرُ بآرائهم، ويقتبس من علومهم، ولهم إليه رسائل جمعت من الحكمة والموعظة والإرشاد والسياسة شيئًا عظيمًا، وله أحكامٌ مدوّنة تبدي لك قوة علمه ودهائه ونورانية بصيرته.

مات يوم الأحد بعد صلاة الفجر لأربع بقيم من ذي القعدة سنة (207)، ومدة إمامته خمسة عشر سنة وسبعة أشهر، ومن ورعه وتوقفه في الدماء وتحريه فيها أنه قبض على بعض الأشرار ممن استوجبوا الإعدام، فاستفتى القاضي وقتئذٍ مسبح بن عبد الله، فلم ير قتلهم فسجنهم الإمام، فجاء جماعة من العلماء من أولي الأمر فناظروا القاضي في أمرهم، فتحقق له وجوبُ قتلهم، فأبلغ الإمام ذلك، فقال له الإمام: «حتى تعلن ذلك على ملأ من المسلمين»، فلما اجتمع الناس بالمسجد قام القاضي واقفًا، فقال: «إني كنت أفتيت بمنع قتل هؤلاء، وإني قد رجعتُ عن ذلك، وأفتيتُهُ الآن بقتلهم»؛ فأمر الإمام بإعدامهم، وفي هذا من الإمام من السياسة ما لا يخفى، ومن إنصافِ القاضي ورجوعِهِ إلى الحقِّ ما يشهد بمقامه الفخم.

أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش

لتنزيل المقال اضغط هنا


([1]) مجلة الزهراء، العدد (7)، 15 رجب 1343هـ، (ص457-462).

([2]) ابتعدت وانقبضت. (م)

([3]) في الأصل: “وهو داود بن يزيد إلى المهلبي والي صحار”، وهو سبق قلم. (م)

([4]) في الأصل: (سيقم)، وهي بالفاء كما في تحفة الأعيان. (م)

([5]) ما تجرّؤا، وما أقدموا، وأحجموا. (م)

([6]) مفرد شذاة، وهي قوارب سريعة الحركة. (م)

([7]) لعله يعني الأفلاج، والسّواقي، والأحواض. (م).

([8]) هم المتطوعة لحماية الإمام من المناكر، ودرء العدو عنها؛ والقيام بما يعود على الأمة والدين من المصالح.

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: كن أول المصوتون !

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى