المقال الخامس من سلسلة مقالات أبي إسحاق: مملكة عُمان – إمارةُ عبد الملك بن حميد الأزدي([1])

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي
-5-
صفحة من تاريخ الإباضية:
مملكة عُمان – إمارةُ عبد الملك بن حميد الأزدي
وهو من بني علي بن سودة بن علي بن عمر بن عامر ماء السماء الأزدي، بويعَ ثاني يوم من وفاة الإمام غسان بن عبد الله اليحمدي، وذلك لثلاث بقين من ذي القعدة سنة (207)، وفي رواية يوم الاثنين لثمان بقين من شوال سنة (208).
سار سيرة الحقِّ والعدل، واتبع أثر السلف الصالح؛ فعمَّ الأمنُ أرجاء عمان، وانصرفت الأمة في ظلال العدل إلى العمل باطمئنان، فكثر الخير والرفاهية، وعمّ الخصب البلاد، حتى صارت عمان يومئذ خير دار تأمُّها الجموع من كل صقع.
وللعلماء الأعلام، والأئمة الكرام في عهده اليد البيضاء في معاضدته نصحًا وإرشادًا وهدايةً للعامة، ورعايةً بالغةً للدين، فعظم أمر الإمام بهم، وقوي سلطانه.
وظهر بعض المبتدعة بصحار من المعتزلة والمرجئة والخوارج، وأرادوا الفتَّ في عضد الدولة، وإيجاد الشكوك بين العامة، وغيرُ خفيٍّ أنهم يقصدون بذلك توهين شوكة المسلمين، وإثارة الخلاف الذي يؤول إلى نقض الأمر؛ إلا أنّ الإمامَ أظهر من التساهل في جانبهم ما اغتروا به، فاشتد أمرهم وامتدَّ إلى غير صحار من البلدان، ففتنوا ضعفاء الناس في دينهم، فقام علم الأعلام وقطب الأعلام وقتئذ هاشم بن غيلان الإزكوي، وكأنّه متعظٌّ بقول ابن سيّار:
أرى بين الرّمادِ وميضَ نارٍ |
| فيُوشكُ أن يكون لها ضُرامُ |
فكتب إلى الإمام يستحثّه إلى الأمر، ويلفته إلى وخامة العاقبة، فبادر إليهم واجتث شأفتهم، فانقطعت فتنتهم، ولولا هذه المشاغبة لقلنا إن مدّته كانت كلها؛ نورًا ورخاءً وسعادة وراحة وبذخًا ورفاهية، بفضل ما أظهره هذا الإمام من الجدّ والاجتهاد والحزم العظيم ونشر المعارف وحماية البيضة، يدلك على هذا إجماعُ المؤرخين على عدم ذكر شيءٍ من الحوادث التي تدل على اختلال الأمن واضطراب الأحوال طول حياة ولايته، واتفاق كلمتهم على أنها كانت ثمانية عشرة سنة وكسورًا كما يتبين لك عند ذكر وفاته رحمه الله.
وذكر مؤرخو عمان كثيرًا من الرسائل التي كانت أئمة العلم تكتبها إليه وتتعهده بها إظهارًا لرضاهم عنه، وتضامنهم على تأييده وحرصهم على مناصرة الحق، ولو بدا منه أدنى حيف عن المنهج القويم لهرعوا إلى مقاومته والحيلولة دون أمانيه، كما وقع منهم مع غيره ممن عدلَ عن خدمة الحقِّ إلى الأخذِ بشهواتِهِ واستهتارِهِ بالملك واستبدادِهِ، ومع ازدهار الملك وجلال الدولة في مدّته لم يتخذ بطانة دون سواد الأمة، بل كانت ثقة الأمة به عظيمة، وعُماله صفوة الناس.
والأعلام الذين اشتهروا في عهده كثيرون؛ نخصُّ بالذكر منهم هاشم بن غيلان، ومحمد بن موسى، والأزهر بن علي، والعباس بن الأزهر، وموسى بن علي (القائم بالأمر وصيًّا عن الإمام لما بلغ من الكبر عتيًّا) كما سيأتي، وأخوه محمد بن علي، وسعيد بن جعفر، ولهؤلاء رسالة طويلة إلى هذا الإمام كلها نصائح وحكم وتذكير بآثار السلف الصالح، وتتميمًا للفائدة؛ نورد شيئًا من بعض رسائلهم ليقف القارئ على ما كان عليه السلفُ من الحرص على الدين، ومقامهم لدى الملوك والأئمة، وما كان لهؤلاء من التواضع والنزول على إرادة أئمة الدين.
رسالة العلامة الأكبر الشيخ موسى بن علي
بسم الله الرحمن الرحيم
«أوصيك ونفسي بتقوى الله وطاعته والاجتهاد لله في إقامة ما ابتلاك بإقامته وحفظ ما استحفظك من أمانته؛ فإنك من يحق عليه لله الاجتهاد، وبه صلاحك في المعاد، فكن بذلك دائنًا ولو تكونُ بنفسك به ثابتًا إلا من وجد معك في ذلك وسايرك وعاونك على ذلك وناصرك، ولست على شيء حتى تقيم كل شيء مقامه وتبلغ من كل أمر تمامه، وتأخذ منه بالمعرفة واليقين، وتكون منه على الحق المبين الذي لا ترى فيه شكًّا، ولا تخاف على نفسك هلكًا، ولا يرتاب فيه من يرتاب، ولا يعيبك فيه من عاب؛ فإنَّ الله جعلك على أمر مُبرّأ من اللّبس، مُطهّر من الدنس، وجعل أهله من ذلك أبرياء؛ قد ارتضاهم ورضي عنهم، وهم ولاة أمانتِهِ وأهل ولايتِهِ، لهم وراثة الأرض وأئمة الهُدى يحكمون بالحق وبه يعدلون، قد استضاءت علانيتهم بضياء سريرتهم، وطاب ثناؤهم بطيب أعمالهم، لهم في الناس أمانة وللقلوب بهم طمأنينة، ولا تحسن القلوب تُهمتهم، ولا تنكر معرفتهم، ولا تتحرج لهم الصدور، ولا تستنكر منهم الأمور.
وإنما أبدى ذلك لهم وأظهره وأضاءه لهم نوره؛ الذي أسروه من البر والتقوى، وكذلك من أسرَّ خلاف ما أظهر قربت منه الظنون وقال فيه القائلون، والمرء من بيانه قريب وهو لعدله نسيب، وعلى ما أطاع الله ورأى وأظهر لهم من الثناء جرت الولاية وانقطعت وأديت الحقوق ومنعت، فحق على من كان من ذلك على بينة ومعرفة أن لا يخاف في ذلك لومة لائم ولا مخافة، وأن يعمل بما يبصر به ويدع ما ينكر، ولا يعمل بتبذير ولا يدخل نفسه في تغرير؛ فإنها شريعة ليست بمستخفية، وحمالة ليست بخفيفة، برأ أهلها من الحرج، وعدلهم من العوج، ولم يرض لهم بالأخذ بالريبة، ولا بنزول رفاهية، ولا بموافقة رضاء، ولا بالإعراض، ولا إغضاء عن الحذر لأهل الفتنة والاحتراس منهم في السر والعلانية، بل عرف عدواتهم وحذر طاعتهم ونحلهم الخيانة ومنعهم الأمانة وتقدم فيهم على نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يتخذ وليًّا ولا نصيرًا ولا عضدًا ولا مشيرًا؛ تطهيرًا لدينه وتعظيمًا لحرماته أن لا يتولى من لا يرعاه ولا يدين له بتقواه، ولقد برأ الله من ذلك بيتَهُ الحرام، وجميع حُرَمِ الإسلامِ حيث يقول في بيته: ﴿وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: 24].
فالإسلامُ من الله بمكان رفيع، في عز منيع من أهل الريب والأدناس؛ أن يكون لهم سبب سلطان بيد ولا بلسان، فيخرفوا ستوره، ويطفئوا نوره، ويضيعوا مناره، ويطمسوا آثاره، فأبى الله ذلك لهم وحماه عنهم، وولّاهُ الله الذين يتطهرون بطهوره، ويستضيئون بنوره، ويرعونه حق رعايته، ويدينون لله بمخافته؛ فأولئك أولياؤه من الناس، وبهم حق الاعتصام والاستئناس، لا يلتجأ في الأمور إلا بهم، ولا تحل الأمانة إلا لهم، فأحق من كان له مانعًا وعنه دافعًا لمن جعل الله له السبيل إلى ذلك بالقدرة، وهداه بالنور والبصيرة، فهم الذين يحيون سنته ويظهرون ملته، ويتوجعون له ويجزعون، ولا يرضون بتضييع، ولا يجعلونه في مضيع، يحمونه ممن يشيعه، ويمنعونه ممن يضيعه، يرون أن تماما انتقص منهم فإليهم يطلب وما ضاع منهم فإياهم يعاتب، وذلك الذي جعله الله في أعناقهم أخذ من ميثاقهم على القيام له بقسطه، والوفاء له بشرطه الذي عهده إليهم وأوجبه حقًّا عليهم، فهذا أمر محفوظ له مخشى فيه الله، معمول فيه لله، ولأهله فيه إلى الله إياب، وفيه سؤال وحساب؛ فجنبك الله وإيانا من ذلك عسره، وجعل لنا ولك يسره، وإنا لرحمته راجعون وإليه محتاجون»، إلى آخر ما فيها من الحكمة البالغة والحجة النيرة.
ولما كبر هذا الإمام ضعفت قواه وسقط وثقل منه السمع والبصر، وقل أن يسمع كلامًا، أو يبصر شيئًا، ولما له في النفوس من المكانة وما سبق من عدله واستقامته؛ لم ير أئمة الدين خلعه، بل أقاموا من يدير أمور الدولة وهو العلامة موسى بن علي، والظاهر أنه شيخ الإسلام وقتئذ.
ومات يوم الجمعة لثلاث خلت من رجب سنة ست وعشرين ومئتين [226هـ]، وما ذكره بعض الكاتبين أنه لما بلغ عتيًّا كان يقع شجار في عسكره ويفضي بهم إلى الاقتتال غير ظاهر، بل غير صحيح؛ لما في النفوس من هيبته وطاعته.
ويدلك على هذا عدم خروج أحد عنه ممن كان تحتَ لوائِهِ، ولا نقم عليه أحد، ولما كبر كان حوله أهل الحل والعقد، وفطاحل الأمة من كل طبقة، ولا يتأتى مع هذا أن يبلغ الأمر إلى حدِّ الاقتتال، والأمور جارية في نظامها الاعتيادي، والله أعلم.
القاهرة – أبو إسحاق
([1]) مجلة الزهراء، العدد (9)، 15 رمضان 1343هـ، (ص585-588).


