المقال الثاني صفحة من تاريخ الإباضية: الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان عند الإباضية

تحرير: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي
-2-
صفحة من تاريخ الإباضية([1])
الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان عند الإباضية، وقِسمانِ عظيمان من أقسام الإسلام وجبَا على كلّ شخصٍ متى نيطت به عهدةُ التكليف، يستوي في هذا الواجبِ الذكور والإناثُ كلٌّ في جنسه؛ لما ورد في الكتاب العزيز من الآيات الموجبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمادحةِ لهما؛ كقوله سبحانه: ﴿وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ …﴾ الآية [آل عمران: 104]، وقوله: ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ …﴾ [التوبة: 71]، وآيات الوعيد على تركهما كقوله تعالى حكايةً عن بني إسرائيل: ﴿كَانُواْ لَا يَتَنَاهَوۡنَ عَن مُّنكَرٖ فَعَلُوهُۚ﴾ الآية [المائدة: 79]، ولما ورد في السنة الصحيحة كقوله m: «لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر أو ليسلطنَّ اللهُ عليكم فيدعو خياركم فلا يُستجابُ لهم»، وأمثالُ ذلك.
ولم تزل للإباضية هذه السيرة، وفيهم هيئات دينيّة تقوم بهذا الواجب شبيهةٌ بجماعة الأئمة العادلين، تحرُسُ الشعبَ من تطرُّقِ البدعِ إليه، وربما أفردنا لها مقالًا بعدُ. وإن العلماء يقومون بهذا الفرض فعلًا، والعامة لسانًا، فإذا زاغَ الإمامُ أو ترك القيامَ بالحدودِ الشرعية؛ وجبَ على جماعةِ المسلمين الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر بالقوة إن استطاعوها.
لهذا كان الإباضية يقومون في وجوهِ أئمة الجور، والدليل الصحيح لهذا قوله g: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ»([2])، وهذا الحديثُ معدود من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الدين.
ولما اشتدَّ الاضطرابُ في البصرة إذ تولّى حكمها رجال عتاةٌ لا يرقُبونَ واجبًا، فازدادَ الأمرُ ارتباكًا، ووضعوا السيف في الرّقاب؛ كانت القلاقل متواليةً بدون انقطاع، فوقف زياد يومًا على المنبر يخطب، فقال في خطبته:
«لآخذن المحسن بالمسيء، والحاضر بالغائب، والصحيح بالسقيم …».
فقام إليه أبو بلال مرداس بن حدير -أحد بني ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم- وكان بالمسجد، فقال:
ما هكذا ذكر اللهُ إذ يقول: ﴿وَإِبۡرَٰهِيمَ ٱلَّذِي وَفَّىٰٓ ٣٧ أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰ ٣٨ وَأَن لَّيۡسَ لِلۡإِنسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ٣٩ وَأَنَّ سَعۡيَهُۥ سَوۡفَ يُرَىٰ ٤٠ ثُمَّ يُجۡزَىٰهُ ٱلۡجَزَآءَ ٱلۡأَوۡفَىٰ٤١﴾ [النجم].
ثمّ ألحَّ زياد في طلب الذين نقموا عليه أعماله، فصار يقتل بالظنة، ويخص من شاء بالفيء، فأجمع أبو بلال هو وأصحابه أمرهم على الخروج، فقال لأصحابه:
إن الإقامةَ على الرضى بالجور لَذنب، وإنَّ تجريدَ السيف وإخافةَ الناس لعظيم، ولكن نسيرُ في أرضِ اللهِ ولا نُجرِّدُ سيفًا، وإذا أرادنا قومٌ بظلمٍ امتنعنا منهم.
فقالوا له: أنتَ رئيسُ المسلمين وبقيّتهم.
فخرجَ في ثلاثين من أصحابه، فلقيَهُ على جسرِ البصرة عبد الله بن رباح عامل عبيد الله بن زياد -وكان صديقًا لأبي بلال، وكان فاضلًا- فراودهم على الرجوع، فأبوا، فأتوا الأهوازَ فأصابوا أموالًا تحمل لابن زياد، فأخذوا أعطيتهم منها، وتركوا الباقي.
ولما بلغ الأمر عبيد الله بن زياد وجّه إليهم جيشًا في ألفين عليه أسلم بن زرعة، فاقتفى الجيشُ أثر بلال وجماعته، ومرّ ناس على أصحاب أبي بلال فسلّموا عليهم فردّوا عليهم التحية، فقال لهم أصحاب أبي بلال:
أمن هذا الجيش الذي يريد قتالنا؟
قالوا: لا.
فقال أبو بلال: سلّمكم الله، أبلغوا من لقيتم أنّا لم نخرج لنفسد في الأرض، ولا نقاتل إلا من أكرهنا على قتاله، ولا نأخذ من الفيء إلا أعطيتنا.
وبلغهم أسلم بن زرعة، وهم في آسك من نواحي الأهواز بين أرجان ورامهرمز، وكانوا في أربعين رجلًا، فقالوا لأسلم بن زرعة:
اتقِّ الله؛ فإنا لا نريد قتالًا، فما تريد؟
قال: أردّكم إلى ابن زياد.
قالوا له: يقتلنا، فتشاركه في دمائنا؟
قال: نعم، دماؤكم حلال، وهو محقّ.
قالوا: اللهم إن كان كاذبًا فانصرنا عليه.
فاقتتلوا، فانتصر أبو بلال وأصحابه، فقال في ذلك عيسى بن فاتك الخَطّي -أحد بني تيم الله بن ثعلبة- في كلمة له:
فلما أصبحوا صلوا وقاموا | إلى الجُرد العتاق مسوّمينا |
وغضب عبيد الله بن زياد على أسلم، فقال أسلم:
لأَنْ يذمني ابن زياد وأنا حيّ، أحبُّ إليّ من أن يمدحني وأنا ميّت.
ثم أرسلَ إليهم ابن زياد عبّادَ بن أخضر في أربعةِ آلاف مع من انضمَّ إليهم، فلما التقوا بأبي بلال، قال لعبّاد:
ما تريد؟
قال له: أردّكم إلى ابن زياد.
قال: أتدعونا إلى طاعة من يسفك الدّماء، ويأخذ المال الحرام، ويعطل الحدود، ويرتشي في الحكم، ويتسلط بالجبروت، ويقتل بالظّنة، ويأخذ على التهمة، لا يُقيلُ عثرة، ولا يقبلُ معذرة؟
قال: نعرف ما تقولون، ولكن لهم مع ذلك الطاعة.
وقيل إنه قال: كذبتم، هو خير منكم، وأنتم أولى بالضلال منه.
وقَدِم القعقاع بن عطيّة الباهلي من خراسان يريدُ الحجّ، فقال:
ما هذا؟
قيل له: الشراة.
فحمل عليهم، وانتشبت الحرب في يوم جمعة، وأبو بلال يتلو: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرۡثَ ٱلۡأٓخِرَةِ نَزِدۡ لَهُۥ فِي حَرۡثِهِۦۖ …﴾ الآية [الشورى: 20]. فأُسر القعقاع، فقال لأبي بلال:
لست من أعدائك، وإنما خدعت ولم أعلم.
فأطلقه، ورجع يقاتله، فحمل عليه رجلان من أصحاب أبي بلال يقال لهما حُريث وكهمس، فأسرَاهُ وقتلاه، وكان وقت صلاة الجمعة، فنادى أبو بلال:
إنا في يوم عظيم، فدعونا حتى نصلي وتصلوا.
فأجابوهم، فلما دخل في الصلاة هو وأصحابه كرّوا عليهم فقتلوهم بين راكع وساجد عن آخرهم.
وأبو بلال ممن اشتهر بالورع والعلم والشجاعة، وله وقائع أخرى.
***
وذكر عبيد الله بن زياد البلجاءَ الحزامية([3]) من بني حزام بن يربوع بن حنظلة بن مالك بن زيد مناه بن تميم، وكانت مشهورةً بالعلم والورع والزهد والنسك، فلقى غيلان بن خرشة الضبي أبا بلال فأخبرَهُ بأنّ الأمير يذكر البلجاء، فمضى أبو بلال إليها فقال لها:
إن الله جعل لأهل الإسلام سعةً في التقيّة، فإن هذا الجبّار المسرف ذكركِ.
قالت: أكرهُ أن يصل إلى أحد مكروهٌ بسببي، فإن أخذني فهو أشقّ له.
وأخذها؛ فقال لها: إنك حروريّة محلوقة الرّأس.
فقالت: ما أنا كذلك.
قال: لأرينّكم منها عجبًا، اكشفوا رأسها.
فمنعتهم، فقال: لأكشفنَّ أحسن بضعة منك.
فقال: لقد سترته حيث لم تستره أمك.
قال: إيه، ما تشهدين عليّ؟
قالت: شهد الله عليك ثلاث شهادات بقوله: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ﴾ [المائدة:44]، و﴿ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ [المائدة:45]، و﴿ٱلۡفَٰسِقُونَ﴾ [المائدة:47]، وشهدت على نفسك أن أوَّلَك لزينة، وآخرَك لدعوى.
فعضَّ على لحيته، فقتلوها، فخرج أبو هلال في جنازتها، فقال:
لو أعلم أني أُبعث على ما تبعث عليه لعلمتُ أني أبعث سويًّا على صراط مستقيم.
وروي أنه قطع يديها ورجليها وطرحها في السوق فمرَّ بها أبو بلال، فقال:
لهذه أطيبُ نفسًا عن بقيّة الدُّنيا منكِ، ما من ميتة أموتها أحب إليّ من ميتةِ البلجاءِ.
وكان أبو بلال وأصحابه إذا اشتدّت بهم الحاجة باعوا حلي سيوفهم، ولا يأخذون شيئًا إلا عطاءهم.
وقام في أوائل القرن الثاني (139هـ) طالبُ الحقِّ عبد الله بن يحيى بن عمر بن الأسود بن عبد الله بن الحارث بن معاوية بن الحارث الكندي، وكان قاضيًا لإبراهيم بن جبلة عامل القويسم على حضرموت، وهو عامل مروان بن محمد، وأظهر القويسم الجور باليمن وحضرموت، ففزع الناس إلى عبد الله بن يحيى.
فكتب إلى أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي -الإمام إذ ذاك بالبصرة بعد أبي الشعثاء وأنبغ من أخذ عنه- يستشيرُهُ في الأمر ويسترشدُهُ. فأجابه:
إن استطعت فلا تبقَ يومًا واحدًا.
وأرسلَ إليه جماعة من الأبطال يعتمدهم في أموره ومهماته، ويتولون جيوشه، منهم أبو حمزة المختار بن عوف بن سليمان بن مالك بن فهر([4]) الأزدي أحد بني سلمة([5])([6])، فكتب إليه يصف أبا حمزة: «إنا بعثنا لك برجل قرآنه في صدره»، يعني علمَهُ بالقرآن. ومنهم بلج بن عقبة الأزدي أحد بني مسعود، وكتب إليه: «إنا بعثنا لك اثني عشر رجلًا وألفًا»، يعني بالألف؛ بلج بن عقبة، وكان من الأبطال المعدودين.
ولما وصلَ هؤلاء إلى عبد الله بن يحيى استولى على صنعاء، وخلص له اليمن، فقسم ما وجد من الأموال على فقراء صنعاء، ولم يتبع مدبرًا، ولا أجهزَ على جريح، ولا استحلَّ شيئًا من الأموال، وفرَّ القويسم عامل مروان.
وفي موسم الحجّ؛ وجّه عبد الله بن يحيى إلى مكة أبا حمزة المختار بن عوف، وبلج بن عقبة، وأبرهة بن عليّ في جيشٍ لأداء فريضةِ الحجّ، وتأمينِ السبل، وإنقاذ الحرمين من الجور.
فمشت السفراءُ بين أبي حمزة وعبد الواحد والي بني أميّة بأن يلتزمَ الفريقانِ السلام إلى أن يتمّ للناس حجُّهم، فبقى أبو حمزةَ مُحايدًا، وكان بلجُ بن عقبة يأتي الجِمار مصحوبًا بقوةٍ من الخيلِ خوفَ الغدرِ به، فلما تمَّ الحجُّ وقضى النّاسُ مناسكهم فرَّ عبد الواحِدِ ليلًا إلى المدينة، فاستولى أبو حمزة على مكة، وخطب على منبرها، وأقام فيها ما شاء الله.
ثمّ قصد أبو حمزة المدينة، فاستولى عليها، وخطب خطبةً وعتها القلوب، لم تزل من متخيَّر القول، ومن منتقيات الترسُّل عند أهل الأدب، وكانَ من الذين حضروها وحفظوها مالك بن أنس اليحصبي عالم المدينة.
وخرج أبو حمزة يريد الشام، فثار عليه أهل المدينة، وكان قد وصلت جيوش الأمويين وعليها عبد الملك بن عطية، فالتقى الفريقان، فقال أبو حمزة:
ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيّه، فإلى مَ تدعوننا أنتم؟
قالوا: – ندعوكم إلى طاعة مروان.
فاقتتلوا، وكانت الواقعة بقديد -بين مكة والمدينة- انتصر فيها الأمويون بعد أن خسروا من جيشهم نحو أربعة آلاف. فرجع أبو حمزة إلى مكة وهم في أثره حتى أدركوه، فوقع بينه وبينهم (يوم مكة)، وفيه قتل أبو حمزة، وقتل معه أبو الحر عليّ بن الحصين العنبري، وكان من خيار علماء المسلمين وفقهائهم بمكة، ومن الأغنياء الأجواد المنفقين في وجوه البر.
ثم سار عبد الملك بن عطية إلى اليمن، فتغلب على عبد الله بن يحيى الكندي؛ فقتله. وسار إلى حضرموت فقاتله أهلها، فتحصن منهم في قرية هناك، فحاصروه أربعة وعشرين يومًا حتى أعياهُ الأمر، فطلب منهم الصُّلحَ فصالحوه على أن يردَّ جميعَ ما في عسكره من الأموال التي أخذها، فسلمها لهم فأخذوا ما عرفوا، ثم أرسل إليه مروان أن يلتحق بالحجِّ ليصليَ بالناس، فخرج في نفرٍ من أصحابه مبادرًا إلى الحج وجيشُهُ خلفه، فوافق رجلين من الإباضية أخوين يعرفان بابني جمانة، فظنّاه منهزمًا، فدخلَا هما وأصحابهما عليه قرية بات فيها، فقتلوه هو وأصحابه.
وهنا انتهت سلطة الإباضية -أبي حمزة وطالب الحق ومن معهم- بالحرمين واليمن، وانحصرت في عُمان.
القاهرة – أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش
لتنزيل المقال اضغط هنا
([1]) مجلة الزهراء، العدد (4)، 15 ربيع الثاني 1343هـ، (ص246-253).
([2]) ورد في المسند الصحيح للربيع بن حبيب الفراهيدي البصري.
([4]) كذا في الأصل، والمشهور: مالك بن فهم. (م)
([5]) في كتاب الاشتقاق لابن دريد: أحد بني سليمة بن مالك.
([6]) المشهور أنه من بني سليمة. وقيل في نسبه: المختار بن عوف بن يحيى بن مازن (العوتبي، الأنساب، ج2، ص703)، وفي الاشتقاق أنه من ولد عبد الله بن مازن من بني سليمة (الاشتقاق، ص498). (م)


