من صحائف الروّاد

سلسلة مقالات الشيخ أبي إسحاق (ت1385هـ) في مجلة الزهراء

الكاتب: الشيخ أبو إسحاق إبراهيم بن محمد أطفيّش

تنسيق وترتيب: المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاةُ والسَّلام على سيِّد المرسلين، محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين؛ أمّا بعد:

فلطالما كانت الكلمةُ سبيلًا إلى الخير، وطريقًا إلى الهداية، ووسيلةً إلى الدَّعْوَةِ في سبيل الله، وإنَّ مشايخ المغاربة والشرقَ الأفريقيَّ؛ كان لهم قَدَمُ السَّبقِ في مضمارِ إظهار الدَّعْوَةِ من خلال المجلات في القرن المنصرم، لذا شجَّعَني الصديقُ الوفيُّ عمر الخليلي أن أُخرجَ شيئًا من كتاباتهم من تلك المجلات التي أتى عليها الزمن.

فبدأت بمقالات الشيخِ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد أطفيّش الجزائري؛ نزيل القاهرة (ت1385هـ) التي نشرها في مجلة الزهراء بين عامي (1343-1344هـ)؛ وهي سبع مقالاتٍ لم أجد غيرها، وكلُّها متعلِّقَةٌ بتاريخ الإباضية وتاريخ عمان.

ومجلَّةُ الزَّهراءِ تولَّى تحريرها محبّ الدِّين الخطيب (و1303هـ-ت1389هـ)، صَدَر العدد الأوَّلُ منها في 15 من المحرَّم 1343هـ واستمرت حتى عام 1348هـ، ولم ينشر الشَّيْخُ أبو إسحاق فيها إلا سَنَتَيْ (1343-1344هـ)؛ إذ إنَّه أصدر مَجَلَّةَ المنهاج في سنة 1344هـ.

وللتنبيه: فإنَّ المقالات فيها حواشٍ تعرِّف ببعض الأعلام أو بعض البلدان أو غير ذلك، ولعلَّها للشيخ أبي إسحاق أيضًا، ولمَّا احتجت أن أعلِّقَ في بعض المواطن وضعت حرف الميم بعدها لأميِّزها عن غيرها؛ راجيًا من الله العلي القدير أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم؛ ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيب﴾ [هود: 88].

المقداد بن خليل بن سليمان الكندي

4 شعبان 1445هـ([1])، مركز ذاكرة عمان – السيب


-1-

صفحة من التاريخ

كيف امتازت الإباضية عن الخوارج؟([2])

المُحكِّمة؛ وهم الذين أبوا التحكيم في واقعة صِفّين، كانوا قسمًا واحدًا وفرقةً متحدة، إلى أن حصلت واقعة النَّهْرَوَان. ثم ظهر بعد ذلك فريق يستبيحُ الدّماء والأموال والسبي، وكان برئاسة نافع بن الأزرق، فأعمل السيفَ والنّهب، وحكمهُ على من خالفهم كفر شرك؛ لا فرق في الحكم بين المكلَّفِ وغيره، يستدِّلون لذلك بقول الله تعالى: ﴿وإن أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُون﴾ [الأنعام: 121]، قالوا:إن أطعتموهم في أكل الميتة إنكم لمشركون، فأثبتوا بهذا أن الكبيرة شرك، سواء أكانت خللًا في الاعتقاد أو في العمل، والشرك مبيح للدم.

واستدلُّوا على كفر الأطفال أيضًا بقوله تعالى حكايةً عن نوح: ﴿ وَقَال نُوحٞ رَّبِّ لَا تَذَرۡ عَلَى ٱلۡأَرۡضِ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِن تَذَرۡهُمۡ يُضِلُّواْ عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوٓاْ إِلَّا فَاجِرٗا كَفَّارٗا ٢٧﴾ [نُوح:26-27].

رسخت هذه العقيدةُ في قلوبهم، واستماتوا في سبيلها وتطبيقها على من عداهم، فكان ما كان من الخطب الجلل، والظاهرُ أن أمر هذا الفريق كان يتكوَّنُ تحت الخفاءِ قبيل واقعة النهروان؛ فقد روي أن مسعر بن فَدَكي خرجَ من البصرة في عصابة، فمرُّوا على قرية فيها عبد الله بن خباب بن الأرتّ([3])، فأخبره مسعرٌ بالتحكيم، فقال له عبد الله بن خبّاب:

  • إن أبي أوصاني إذا وقعت الفتنة أن ألزمَ بيتي.

فقال له مسعر: إن الله أوصانا بغير ما أوصاك به أبوك فقال: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ [البقرة: 193].

فقتلوا ابن خبّاب وبلغوا النهروان، فتبرّأ أهل النهروان من مسعر وأصحابه، وهمّوا بقتله، ففرَّ منهم هو وأصحابه. وقد تفرّع من الأزارقة فرق الصفرية والنجدية ومن نحا نحوهم، وعقيدة الجميع واحدة؛ وهي الحكم بكفر الشرك على من خالفهم.

حينئذ؛ ظهر الإمام الأعظم أبو الشعثاء جابر بن زيد أحد كبار فقهاء التابعين، وصاحبُهُ الإمام عبد الله بن إباض المري التميمي وأصحابهما، ناقمين على الأزارقة، ووقعت لكلٍّ من الإمامين مناظرات كثيرة معهم، منها أن أبا الشعثاء أتى الخوارج يومًا، فقال لهم:

  • أليسَ قد حرّم الله دماء المسلمين بدين؟

فقالوا: نعم.

فقال: وحرّم الله البراءة منهم بدين.

فقالوا: نعم.

فقال: أوليسَ قد أحلَّ دماء أهل الحرب بدين بعد تحريمها بدين؟

فقالوا: بلى.

فقال: وحرّم الله ولايتهم بدين بعد الأمر بها بدين.

فقالوا: نعم.

فقال: هل أحلَّ ما بعد هذا بدين؟

فسكتوا.

وكان أبو الشعثاء الملجأ الأكبر للإباضية والطودَ الأشمَّ، وهو الذي يصدرون عنه في أمورهم، وأخذ عنه خلقٌ كثير: منهم من بقي بالبصرة وغيرها تحت نفوذ بني أمية([4])، ومنهم من خرج إلى عُمان، وانتشر بهم العلمُ في الأقطارِ التي نزلوها.

وممن رأسَ بعد أبي الشعثاء؛ أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، وعنه أخذ حملةُ العلم الذين جاءوا إلى المغرب بعد الداعية الأكبر سلمة بن سعد.

وإنما انتسبتِ الإباضيةُ -وهم الذين نريدُ ذكر موجز من تاريخهم- إلى عبد الله بن إباض تمييزًا؛ لما اختصَّ به هذا الإمامُ من قوة الحجة، والعزّة والمنعة في قومه.

وقد جرت بين الإمام عبد الله بن إباض وبين عبد الملك بن مروان مكاتبات فيما نقم هو وأصحابه على بني أمية، وكان كثيرًا ما يبدي نصائح لعبد الملك، وكان عبد الله بن إباض يصدر في أمره عن أبي الشعثاء جابر بن زيد وهو بالبصرة، وفيها إذ ذاك أصحابه أئمة العلم والدين؛ كضمام بن السائب، وحاجب الأزدي، وقتادة، والحسن البصريّ، وأبي بلال مرداس، وصحار بن العباس العبدي([5])، والأحنف بن قيس، وإياس بن معاوية، وأبي عُبيدة مسلم، وأضرابهم.

فالإباضيةُ لا يُحرّمون التناكح بينهم وبين غيرهم من أهل القبلة، ولا الدفن في مقابرهم، ولا يكفّرون شركًا أهل الكبائر العملية؛ بخلاف الخوارج، ولذا كان من المقرر عندهم وجوب الفرق بين الكبائر: كبائر الشرك، وكبائر الفسق؛ وتسمّى عندهم بكبائر النفاق، وعندهم أن التوحيدَ عاصمٌ للدم والمال إلا بحقِّهما.

ولما اشتدّت وطأةُ بني أمية، فسفكوا الدماء بالبصرة توطيدًا لنفوذهم في الأمة وتوحيدًا لسلطتهم، بواسطة عاملهم الحجاج بن يوسف؛ انحازَ معظم الإباضية المحقّة إلى عُمان فكان بها سلطانهم وشوكتهم.

وقد وقعت بينهم وبين بني أميّة وقائع، لأنّ من شعار بني أميّة اتخاذُ كلِّ وسيلةٍ لتعميمِ نفوذهم في جميع أقطار الإسلام وشعوبه، وكانت الحربُ بينهم سجالًا، انتهت لبني أميّة إلى زمن أبي العباس السفّاح، فاسترجع الإباضية استقلالهم، ونصبوا الأئمة في عُمان يُقيمون الحدود، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وقد أقاموا فيها منار العدل، فكانت تلك الفترات القليلة التي تغلّب فيها بنو أميّة حلقةً صغيرةً انقطعت من سلسة استقلال الإباضية بعمان، إلى أن بايعوا الجلندى([6]) بن مسعود بن جيفر بن جلندى، وهو آخر بني الجلندى ابن المستكبر بن مسعود بن الحرار بن عبد عز بن معولة بن شمس؛ ملوكُ عمان بعد أولاد مالك بن فهم، ولم يزل عمان بيد أهلِهِ إلى يومنا هذا.

وفي مدة الجلندى، هربَ إلى عُمان شيبان الخارجي -إمام الصّفرية- من أبي العباس السفَّاح، ولما انتهى إلى عُمان أخرج إليه الإمامُ الجلندى؛ هلالَ بن عطيّة الخراساني في قوة من الجند، وفيهم يحيى بن نجيح -وكان من خيار المسلمين مشهورًا بالفضل والصلاح- فدعا بدعوة أنصف فيها الفريقين حين تصافَّا، قال:

«اللهم إن كنت تعلم أنّا على الدين الذي ترضاهُ، والحقِّ الذي تحب أن تؤتى به، فاجعلني أول قتيلٍ من أصحابي، ثم اجعل شيبانَ أوَّلَ قتيلٍ من أصحابِهِ، واجعلِ الدّائرة على أصحابِهِ. وإن كنت تعلمُ أن شيبانَ وأصحابَهُ على الدِّينِ الذي ترضاهُ والحقِّ الذي تُحِبُّ أن تؤتى به؛ فاجعل شيبان أول قتيلٍ من أصحابِهِ».

فأمّن الفريقان. ثم زحف بعضهم إلى بعض، فكان أول قتيل من المسلمين يحيى بن نجيح، وشيبانُ أول قتيل من أصحابه؛ فتمكّن الإباضيةُ من أصحابه، واستولوا عليهم، فكان ذلك آخر أمرهم، ولم تقم لهم قائمة، ولا بقيت للصفرية بقية منذ ذلك اليوم على ما يظهر.

القاهرة – أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش

لتنزيل المقال اضغط هنا


([1]) راجعت هذه المقدِّمة ليلة الأربعاء 5 جُمادى الآخرة 1447هـ، والحمد لله ربِّ العالمين.

([2]) مجلة الزهراء، العدد (3)، 15 ربيع الأول 1343هـ، (ص186-189).

([3]) أبو عبد الله خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة التميمي من السابقين في الإسلام، شهد بدرًا ثم نزل الكوفة، ومات سنة (37هـ).

([4]) ربما أطلق الخوارج على الإباضية اسم (القعدة) لأنهم خالفوهم في قتال أهل التوحيد، وإن شاركوهم في إنكار المنكر.

([5]) كان من النّسابين، وله تأليف في أمثال العرب.

([6]) ضُبِطَت في الأصل: “الجَلَنْدَى”. (م)

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: 4.16 ( 8 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى