ماذا بعـد استشهاد القادة؟

عبدالرحمن بن كهلان بن نبهان الخروصي
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل الولوج إلى جواب هذا السؤال أحب أن أعود بك أخي المؤمن إلى البذور التي غرسها الإيمان في نفوسنا، بذور الرضا بقضاء الله التي تنبت أشجارا طيبة لا تقلعها ريح المصائب والمحن، ولولاها لأكلت الهموم قلب المرء وما وجد بُرءًا لجراح الزمان ولو حاز من أسباب السعادة منتهاها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ كَمَثَلِ الْخَامَةِ مِنَ الزَّرْعِ، تُفِيئُهَا الرِّيحُ، تَصْرَعُهَا مَرَّةً وَتَعْدِلُهَا أُخْرَى حَتَّى تَهِيجَ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ الْمُجْذِيَةِ عَلَى أَصْلِهَا، لَا يُفِيئُهَا شَيْءٌ حَتَّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرَّةً وَاحِدَةً»، فالمؤمن يميل مع أمر الله مهما أصابته المصائب فيسلم في الدنيا والآخرة، والكافر يبقى على هوى نفسه حتى يستحصده الهلاك مرة واحدة.
فإنَّ من أعلى مراتب الإيمان بالله: الرِّضا بقضائه وقدره، وهو شرطُ السلامة في الآخرة، واجتناب الهموم والغموم أو الفَرح بالعمل في الدنيا، قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: 22-23]، وقال الربيع: بلغني عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: »إنك لن تجد ولن تؤمن وتبلغ حقيقة الإيمان حتى تؤمن بالقدر خيره وشره أنه من الله« قال: قلت: يا رسول الله، كيف لي أن أعلم خير القدر وشره؟ قال: »تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وما أصابك لم يكن ليخطئك فإن مت على غير ذلك دخلت النار« . [أخرجه الربيع (72)]
والرِّضا بقضاء الله وقدره لا يُعارض أخذَ أسباب السلامة والنصر والفوز في الدنيا، بل ذلك من كياسة المؤمن؛ ففي الحديث: »كل شيء بقدر حتى العجز والكيس« [أخرجه مسلم (2655)] لكنه يعني عدم السخط إذا وقع المصاب، وعدم الفرح المبطر إذا جاء السرور والنعيم.
وما يقع للمؤمن من شرٍّ في الظاهر هو خيرٌ له على الحقيقة، قال رسول الله ﷺ: »عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ .» [أخرجه مسلم (2999)]
وحقيقة الخير والشر لا بما يبدوان عليه في العاجلة؛ فإن ذلك من العلم بالظاهر وهو مذموم إذا أنسى جواهر الأشياء، بل حقيقتهما أنهما إن قرَّبا العبدَ من الله تعالى بالصبر على الضراء والشكر في السراء كانا خيرًا له، وإن أبعداه بسخطٍ وكفرٍ في الضراء أو بطرٍ واستكبارٍ في السراء، كانا شرًّا واستدراجًا له.
فما ينزل بالأفراد من الحوادث والمصائب يكون خيرا أو شرا لهم بحسب عملهم بالشرع وتقربهم لمولاهم أو جحودهم وابتعادهم عن منهجه، وكذلك يكون على الأمم والجماعات؛ إذ ترى بعضَها لا تزيدها الأيام من رخاء وضيق إلا عبرةً ورشدًا، وأخرى لا تزيدها إلا تيهًا وضلالًا:
مَن لم تُفِده عِبَرًا أيَّامُه *** كان العمى أولى به من الهُدى [1]
ولذا فكلاهما -أعني السراء والضراء- قد يكون خيرًا أو شرًا بحسب حال العبد.
إذن، فسؤال: ماذا بعد استشهاد القادة؟ يُجاب عنه بأوجه الخير التي تعود عليها من ذلك، والخير الحقيقي يعم كل ما يقرب إلى الله تعالى ولو لم يكن حظًّا دنيويًّا عاجلًا، فأعظم الخير طُرًّا هو بلوغ رضوان الله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72].
فأن يُستخرَج من العبد الصبرُ والاحتسابُ والرضا بما قضاه الله وقدره هو أوفر النصيب وأسمى معاني الخير، ولو لم يَزِن شيئًا عند أهل الدنيا، قال النبي ﷺ: »وما أُعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر« [متفق عليه].
ومن واسع الخير وسابغه على العبد: الاعتبار، والتوبة، والاستعداد ليوم الرحيل، وإيثار الآخرة على العاجلة، فهذه من وجوه الخير للأمة في أفرادها، وقد يكون خيرًا لها في مجموعها كصحوتها لما يُكاد لها من دسائس، وإعدادها عدةَ النهوض الإيماني والشهود الحضاري، وهو خير عميم ونفع كبير وإن لم يؤتِ أُكُلَه إلا بعد حينٍ كما تقتضيه سنة الله في تعاقب الأمم وتدافعها.
وبهذا يتسع مفهوم الخير في وجوهه الشرعية، كما يتسع في زمانه أيضًا؛ فما في الأمة اليوم من خيرٍ وبقايا عزٍّ وجهادٍ، إنما هو ثمرةُ جهادٍ من سلف وتضحياتهم، وجهادُ اليوم ستزكو ثماره فيمَن يعقبنا إن شاء الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 143]، وهذا كله مما قد يُغفَل عنه عند استحضار معاني الخير وأشكال النفع، ومن أجله قدَّمت التنبيه عليه.
ويمكن تعداد وجوه الخير على الأمة ــ بمعناه المتسع الذي مرَّ ذكرُ طرفٍ منه ــ في نقاط كثيرة، أوجز بعضها على سبيل التمثيل:
1-حفظ عقائد الأمة وله صور عديدة، منها:
- التعلق بالله تعالى وحده، وعدم الافتتان بأحد من الناس؛ فإن الله وعد الأمة بالنصر ولم يعلِّقه بأحد من أفرادها إلا رسول الله ﷺ، إذ تكفَّل الله بنصره، قال تعالى: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 40]. فهذا من خصوصياته ﷺ دون أمته فهو الموعود بالتمكين في حياته، ولا ضمانة لغيره ــ بالغًا ما بلغ جهاده ومنزلته ــ، فإن التمكين في الدنيا حاصل للأمة والمؤمنين بمجموعهم وليس لآحادهم [2]. وفراغ القلوب إلا من الله وعدم الاتكال إلا عليه من أعظم عُرى النصر وأوثق أسبابه.
وهذا ما قيل في عزل عمر بن الخطاب خالد بن الوليد لما افتتن الناس به فولى أبا عبيدة ابن الجراح -رضي الله عن صحابة رسوله ﷺ وأرضاهم-؛ حتى إذ اشتد الأمر على أجناد الشام واستمد أبو عبيدة أهلَ المدينة جاءت البُشرى لعمر بالنصر والفتح فقال: “اللَّهُ أَكْبَرُ، رُبَّ قَائِلٍ: لَوْ كَانَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ!” [المصنف لابن أبي شيبة 19486]، أي: رب قائل: لو كان خالد بن الوليد أميرًا لفُتح عليهم أو لانتصروا، ففتح الله على جنده وانتصروا ولم يكن خالد أميرًا عليهم.
- عدم المداهنة في شرع الله تعالى؛ فالمشاهد أن كثيرًا من الناس إذا تعلَّقوا بأحد وأنزل الله النصر والفتح على يديه، قد يقع في نفوسهم مجاملة له وتساهل في إنكار القلوب عليه إن حاد عن السبيل أو ارتكب محرَّما ــ والعياذ بالله ــ، ويجادلون عنه ويستشفعون بماضيه لحاضره. فمن الرِّفق بالأمة وبالعبد الصالح أن يقبضه الله غير مبدِّل ولا مفتون.
2– استتمام معنى الاقتداء المشروع:
فالمجاهد الحي إذا سلِم وغَنِم يكون قدوةً لأهل زمانه عادةً، أمّا المجاهد الشهيد فتقتدي به أجيال متعاقبة، ويعرفه من لم يعرفه حيًّا من أهل زمانه، فتتسع دائرة الاقتداء به زمانًا ومكانًا. وهذا خيرٌ للأمة وتعظيمٌ لأجر الشهيد الذي يسنُّ سنَّة الجهاد لكل من اقتدى به. ومن تمام الاقتداء بالمجاهد أن يكون في أعلى درجاته رفعة، وذلك ما لا يُنال إلا بالشهادة، فلا يستوي من غنم مع من استُشهد، لحديث النبي ﷺ: “ما منْ أيام العملُ الصالحُ فيها أحبّ إلى الله عز وجل من هذه الأيام”، يعني أياَمَ العَشْر، قال: قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهادُ في سبيل الله، إلا رجلَا خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك بشيء”. [أخرجه البخاري (926) واللفظ لأحمد (1968)].
3- تعظيم مقام الشهيد:
لِما يرونه من إكرام الله له في الدنيا، ووعده بالنعيم المقيم في الآخرة؛ فينكأ الله به عدوَّه، ويفضح به المنافقين، ويشد به عزم المجاهدين، ويحيي به الأمل والعزة في نفوس المؤمنين، ويحبُّه الصالحون ويدعون له، بل تعظم مهابته في نفوس أعداء الدين، فيُقبل الشباب على البذل والعطاء والتضحية والجهاد رجاء الثواب والمغفرة من الله تعالى.
وكأين من عبدٍ صالحٍ؛ عالمًا كان أو ومجاهدًا أو مُصلحًا، إذا وصل منتهى ألقه وشهد له القاصي والداني، وصار إماما للناس وقدوة لهم في لزوم طَرْقِ باب من الخير حتى فتح الله عليه فتوحه وأسبغ عليه مواهبه وألطافه، أوشك الله أن يسترد أمانته؛ كالشهاب أكثر ما يكون سطوعًا وألقًا إذا أوشك أن يختفي، ليبقى قدوةً ساطعةً نقية لمن بعده، يُستضاء بسيرته، ويُقتدى به، ويُدعى له بالخير.
4- تقرير معنى حسن الخاتمة بحسن العمل:
فمن حسنت سيرته حسنت خاتمته، وإليه تتجه الأوامر الشرعية بالموت على استقامة، أي بلزوم أسبابها والتمسك بها حتى يلقى ربه: ﴿وَٱعۡبُدۡ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأۡتِيَكَ ٱلۡيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]، فمن هذه النصوص التي تأمر بالموت على الإسلام -وتأويلها كما سبق- قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [البقرة: 132]، وقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ، فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ« [أخرجه مسلم (1844)]
فهذا من الجزاء الوفاق؛ فمن عاش على شيء صادقًا مخلصًا لله مات عليه، فالله تعالى لا يأخذ عباده غِرَّةً بل يُمهل ويرسل إليهم الآيات والنُّذُر والمذكِّرات، ولا شيء يصدِّق هذا في نفوس العباد كمثل أن يرى الناس المجاهدين والصالحين يموتون على ما عاشوا عليه.
نسأل الله حسن الخاتمة، ونعوذ به من فتنة المحيا والممات.
5- تهوين أمر الدنيا:
فلو كانت الدنيا دار كرامة، لأُكْرِم فيها الأنبياء والصالحون، لكنها دار بلاء واختبار ورفعة للدرجات: ﴿وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [القصص: 60].
6- تصبير الأمة وتربيتها لتحمل الشدائد:
وهذا يحصل بتوالي فقد الصالحين واستشهاد القادة، ومحاولة الأمة سدَّ ثغراتهم؛ إذ فيه ما لا يخفى من التربية على مسؤولية نصرة الدين وتبليغه، وفيه ــ بإذن الله ــ اعتصام من الزهو والاغترار بعد النصر والفتح، الذي ما جاء إلا بتضحية خيرة شباب الأمة وشيوخها.
7- تجديد الدماء والفكر لدى القادة:
وفيه إيذانٌ بمرحلة جديدة من الجهاد والبذل بعون الله وتوفيقه.
8- أخذ الدين بقوة:
قال تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 171]
ويتأكد هذا الأمر الرباني في زمن الفتنة خصوصًا حتى تعود الأمة متحدة قائمة بدين الله مؤدية للأمانة؛ إذ لا يتكالب عليها الأعداء، ولا تتوالى عليها المصائب، إلا إن أهملت الاستمساك بشرع الله والصدور عنه، وأخذ أسباب القوة والغلبة، واستولت عليها حظوظ النفس والشقاق والتنازع.
ختام:
في الأمة خير وفضل كبير، ومصلحون يدافعون أهل الباطل، وينشرون سبيل الرشاد، وما هذا الخذلان الذي أثقلنا إلا أثر الظلم والطغيان الذي سرعان ما ينقشع -بعون الله- بأيدي المؤمنين والمؤمنات، مَن أحسنوا الظن بالله وجددوا عهد السلف الصالح باقتفاء هدي الأنبياء وسنة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم.
نسأل الله تعالى أن يردنا إليه ردًّا جميلًا، وأن يُخلِف على الأمة خيرًا في مجاهديها وعلمائها ومصلحيها، إنه سميعٌ مجيب.
لتنزيل المقال اضغط هنا
[1] البيت لابن دريد في مقصورته. [2] أفدتُ هذا المعنى من محاضرة نافعة للشيخ عبدالعزيز الطريفي -فك الله أسره- بعنوان: فقه الأولويات، الدقيقة/ 1:14:35 .



