واو الثمانية

حمد بن ناصر بن حمود الصبحي
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله فاطر السماوات والأرض، أنزل القرآن على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه إلى يوم الدين.
أما بعد:
تزخر اللغة العربية بالكثير من المعاني اللغوية والنحوية الفريدة، التي استوقفت أذهان النحاة واللغويين وأثارت إعجابهم وتأملهم. ومن ذلك خلافهم في “واو الثمانية” والتي لاحظ بعض العلماء ذكرها عند تعداد العناصر وبلوغ العدد الثامن تحديدًا. وقد أثار هذا القول جدلًا بين مؤيد له ومعارض، مستدلين بنصوص من القرآن الكريم وكلام العرب. وارتأيت الكلام في هذا الموضوع لما رأيت ما شاع بين العامة في وسائل التواصل الاجتماعي من الجزم بإثبات واو الثمانية دون معرفة الخلاف القائم في المسألة، لذا سأقتصر في هذا المقال مناقشة أدلة القائلين بواو الثمانية من القرآن الكريم؛ وتحديدا ما شاع بين عامة الناس في وسائل التواصل، مع بيان الآراء المختلفة وتحليل الشواهد القرآنية.
لذا سيتناول المقال تعريف واو الثمانية، ثم ذكر القائلين بها وأدلتهم، وفي الأخير مناقشة هذه الأدلة وتمحيصها.
أولا: مفهوم واو الثمانية
يعرف النحاة الذين يقولون بواو الثمانية: هي الواو التي تقع في الكلمة الثامنة من الصفات المسرودة لتدل على أن المعبر عنه بها ثامن، أو عدده ثمانية”[1]. فقد زعم بعض أهل الأدب واللغة أن هذه الواو تحمل دلالة خاصة عند العرب.
ثانيا: القائلون بواو الثمانية.
ذهب بعض النحاة والمفسرين إلى إثبات واو الثمانية، منهم: أبو بكر بن عياش، وابن خالويه، وأبو منصور الثعالبي، والحريري، والقاضي الفاضل، وأبو البقاء العكبري، والقرطبي.
وهذه بعض نصوص من قالوا بثبوت واو الثمانية:
يقول الحريري: “ومن خصائص لغة العرب إلحاق الواو في الثامن من العدد، كما جاء في القرآن “التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون والناهون عن المنكر”[2]
ويقول أبو البقاء العكبري: “ولذلك قالوا: سبع في ثمانية، أي سبع أذرع في ثمانية أشبار، وإنما دلت الواو على ذلك؛ لأن الواو تؤذن بأن ما بعدها غير ما قبلها”[3].
ويقول القرطبي: “«هي لغة قريش»، «وذلك من عادة قريش أنهم يعدون من الواحد فيقولون: خمسة ستة سبعة وثمانية، فإذا بلغوا السبعة قالوا: وثمانية. قاله أبو بكر بن عياش”[4]
ثالثا: أدلة القائلين بواو الثمانية.
هنا سأذكر أشهر الأدلة من القرآن الكريم التي يستدل بها أصحاب واو الثمانية، وما انتشر في بعض وسائل التواصل الاجتماعي، وهي:
- قوله تعالى {سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ ۖ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ ۚ}[5]، قالوا إن الواو أتت في معرض ذكر العدد الثامن، ولم يكن ذلك في الأعداد السابقة، ومن قال بذلك ابن الأنباري والبغوي والثعلبي والقرطبي[6]
- قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا}[7]، قالوا إن الواو أتت لبيان عدد أبواب الجنة الثمانية، والآية التي قبلها في معرض ذكر أصحاب النار جاء الفعل “فتحت أبواها” بدون سبق الواو لأن عدد أبواب النار سبعة، قاله: ابن خالويه وابن عطية والخازن والإسكافي[8].
- قوله تعالى: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}[9]، فالواو في كلمة {وَالنَّاهُونَ} واو الثمانية، وقاله العكبري وابن عاشور، وذكره الثعلبي وأبو حيان[10]
- قوله تعالى: {عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا}[11] ، قالوا هنا الواو واو الثمانية أتت في ذكر تعداد الوصف الثامن وهو ” وأبكارا”، وقال بذلك البغوي والثعلبي[12]
رابعا: مناقشة أدلة القائلين بواو الثانية.
بعد سرد حجج واستشهادات القائلين بواو الثمانية، واستدلالهم بما جاء في القرآن الكريم، سنعرج على تفنيد هذه الأدلة، وبيان أسرار الكتاب العزيز، لأن المتأمل في آيات الكتاب العزيز يعلم أن هذا الكتاب يحمل في طياته بحورا من الأسرار والإعجاز اللغوي.
- استشهادهم بآية الكهف ” وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ” والقول بأن الواو هنا واو الثمانية غير دقيق، ذلك أن إتيان الواو وتخصيصها في آخر التعداد يحمل في طياته معاني منها:
- الواو هنا للعطف جيء بها لعطف جملة على جملة، والتقدير هم سبعة وثامنهم كلبهم، قاله: ابن جني والسهيلي والسيوطي.[13]
- كذلك الواو تحمل معنى انقطاع العدة؛ أي عدد أصحاب الكهف، وهي دلالة اتصاف الموصوف بها، فالواو جاءت لتوكيد لصوق الصفة بالموصوف، وآذنت هذه الواو بأن الذين قالوا “سبعة” قالوه عن ثابت علم وطمأنينة[14]. كما روي عن ابن عباس قوله: ” حين جاء الواو انقطعت العدة، أي لم تبق عدة عاد يلتفت إليها”[15].
- الواو تفيد التوكيد، ودلالة ذلك أن القائلين ” سبعة وثامنهم كلبهم” صدقوا وأخبروا بحق.
فإذا تأملنا هذه الأقوال وجدناها أكثر دقة ووصفا لمعنى الآية الكريمة، وهي تدل على المعنى الذي ذهب إليه عامة المفسرين، فالقول ب”واو” الثمانية لا معنى له ولا دليل يعول عليه في هذه الآية.
- استشهادهم بآية الزمر” إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا”، فإن هذه الآية لا يمكن اعتبارها دليلاً على كون الواو هنا واو الثمانية، يقول ابن هشام: ” ليس فيها ذكر عدد البتة وإنما فيها ذكر الأبواب، وهي جمع لا يدل على عدد خاص، ثم الواو ليست داخلة عليه، بل على جملة هو فيها”[16]. لذا ذكر المفسرون لواو {وفتحت} معاني، ومنها:
- الواو واو الحال؛ أي حتى إذا جاؤوا والحال أن أبواب الجنة قد فتحت، لقول الله تعالى {جَنَّتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ}، فتفتح أبواب الجنة لأهلها قبل مجيئهم احتراما وإكراما لهم[17].
- الواو عاطفة على جواب شرط محذوف والتقدير، حتى إذا جاؤوها اطمأنوا وفتحت أبوابها[18].
- الواو مزيدة للتوكيد؛ أي حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها[19].
- استشهادهم بقوله تعالى: : ” التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ ۗ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ” ، فالواو هنا جاءت للعطف بمعنى المصاحبة؛ أي الأمر بالمعروف لا ينفرد دون النهي عن المنكر، كما ينفرد الحامدون بالحمد عن ” الساجدون” في سجودهم، ويمكن القول أيضا أن ذكر الواو في صفة الناهون عن المنكر يبين التضاد بين الأمر والنهي، ويمكن القول كذلك أن العطف هنا لبيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهان لأمر واحد.
- استشهادهم بقوله تعالى: { عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا} على أن الواو هنا للثمانية غير صحيح ولا يسلم به، فالواو هنا عاطفة وقعت بين صفتين متضادتين وهما الثيب والبكر، فجاءت الواو بمعنى المغايرة، إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة، ثم إن ” أبكارا” صفة تاسعة لا ثامنة؛ إذ أول الصفات ” خيراً منكن”. يقول ابن هشام: ” والصواب أن هذه الواو وقعت بين صفتين هما تقسيم لمن اشتمل على جميع الصفات السابقة فلا يصح إسقاطها، إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة ، وواو الثمانية عند القبائل بها صالحة للسقوط، ثم إن {أبكارا} صفة تاسعة لا ثامنة إذ أول الصفات {خيرا منكن} لا {مسلمات} فإن أجاب بأن مسلمات وما بعده تفصيل لخيرا منكن فلهذا لم تعد قسيمة لها”[20]
خامسا: الخاتمة
يتبين مما ذكرناه أن واو الثمانية كانت محل خلاف بين المتقدمين، وأثيرت هذه المسألة حديثا عند الناس بدون تحقيق ولا تمحيص، والظاهر من خلال ما ذكرناه بطلان القول بواو الثمانية، ولا يمكن عدها قاعدةً مطردة، وأن الصواب ما ذهب إليه أكثر المحققين من النحويين والمفسرين -كما أوردنا- من بطلان القول بوجود واو الثمانية، والله ولي التوفيق وبه نستعين، والحمد لله رب العالمين.
Loading Viewer…
[1] جواهر الأدب في معرفة كلام العرب، علاء الدين الإربلي ص ٩٠
[2] درة الغواص في أوهام الخواص، مطبعة الجوائب ١٢٩٩هـ
[3] التبيان في إعراب القران، أبو البقاء العكبري، تحقيق: علي محمد البجاوي، ج٢ ص ٦١٢
[4] الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط ١٩٨٤، ج ٨ ص ٢٧٢
[5] الكهف ٢٢
[6] انظر، البيان في غريب إعراب القرآن، ابن الانباري، ج٢ ص١٠٤، معالم التنزيل، البغوي، ج٣ ص١٥٦، الكشف والبيان عن تفسير القرآن، الثعلبي، ج٦ ص ١٦٢-١٦٣، الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، ج ١٠ ص ٣٨٢-٣٨٤
[7] الزمر ٧٣
[8] الثعلبي، ج ٨ ص ٢٥٧- ٢٥٩. / درة التنزيل وغرة التأويل، الخطيب الإسكافي، ص ٢٨٠- ٢٨١
[9] التوبة ١١٢
[10] إملاء ما من به الرحمن، العكبري ج٢ ص٢٣/ الثعلبي ج٨ ص ٢٥٨/ التحرير والتنوير، ابن عاشور، ج ١١ ص٤٣
[11] التحريم ٥
[12] انظر: البغوي ج٣ ص١٥٦. / الثعلبي ج ٨ ص ١٥٨
[13]انظر: سر صناعة الإعراب، ابن جني، ج٢ ص٦٤٦. / الإتقان، السيوطي ، ج١ ص ٢٤٣
[14] انظر: الكشاف، الزمخشري، ج ٢ ص ٤٧٩
[15] ابن هشام، مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، ج٢ ص ٤١٨
[16] مغني اللبيب، ج٢ ص ٣٦٣
[17] انظر غرائب التفسير، الكرماني، ج٢ ص ١٠٢٢. / روح المعاني، الألوسي ج ١٢ ص ٢٨٨. / تيسير التفسير، اطفيش، ج ١٢ ص٣٢٥
[18] انظر: إعراب القرآن الكريم، النحاس ج ٤ ص ٢٢-٢٤
[19] انظر: معاني القرآن، الزجاج ج ٤ ص ٤٣٦- ٤٦٤. / إعراب القرآن ج ٤ ص ٢٢-٢٤
[20] مغني اللبيب، ج٢ ص ٣٦٤


