العقيدة والفكر

الحكم الصحيح بعد المعرفة الكافية

الأزهر بن أحمد بن هلال العبري

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد:

فحتى نحكم على (X) بقيمة معينة لا بد من أن نحيط بالعدد الكافي من المعطيات حتى نعطيها قيمة صحيحة لا شك فيها. فمثلا لو قلت ) حيث أن X>0 فهذه كلها معطيات توصلنا إلى نتائج نحكم من خلالها على (X) بحكم معين . وبعد تحليل المسألة نجد أن مجموعة الحل هي {2,-4}، وبالمعطى (X>0) يستبعد العدد (-4) من مجموعة الحل لأنه أقل من صفر. هذه جملة معطيات جعلتنا نحكم على X حكما صحيحا، والمسائل الرياضية عبارة عن معطيات تطلب منك الحكم على متغير فيها بحكم صحيح، وحين تغيب بعض المعطيات فالرياضيات تفرض علينا أن نبحث عن هذه المعطيات الغائبة من خلال القوانين المعروفة في الرياضيات، وإلا فما أبعد التخمين عن صحة النتيجة.

هذا هو شأننا في هذه الحياة، فهي تعطينا المعطيات التي تبعث في النفس حكما أو انطباعا متسرعا، إلا أننا بعد أن نحيط بالتفاصيل كاملة نغير موقفنا كله، وتتغير آراؤنا كليا. ذات مرة جلست مع أحد أترابي – ذكره الله بالخير – فقلت له: (هب إنك قاضٍ، فجيء لك بقاتل، فما أنت بحاكم عليه؟) فقال: (أحكم عليه بالإعدام (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلْقِصَاصُ فِى ٱلْقَتْلَى ۖ) فقلت له: ( لكن هذا القاتل كان يدافع عن نفسه) فقال: (أحكم عليه بالسجن لسنة)، فقلت: (كان في مقدور هذا القاتل السيطرة على عدوه إلى حين قدوم الشرطة)، فقال: (إذن بالسجن المؤبد)، فقلت له: (هذا القاتل مجنون) فقال: (أعفيه عن العقاب؛ فقد رفع القلم عن ثلاثة منهم المجنون حتى يعقل). أرأيتم كيف كان تِربي يغير حكمه كلما أعطيته معلومة عن قضية القاتل، فكلما علم صاحبنا شيئاً غير حكمه، وما حدث هذا إلا لأنه علم تفاصيل أكثر عن القضية.

وقد أمرنا الله تعالى بالـتبين والتثبت حين يصلنا خبر فقال: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقٌۢ بِنَبَإٍۢ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوْمًۢا بِجَهَٰلَةٍۢ فَتُصْبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَٰدِمِينَ)، وهذا نبأ يقين بأن الحكم دون الإحاطة لا يعقبه إلا التحسر والندم. وقد ضرب الله لنا أمثلة شتى في كتابه العزيز، منها قصة موسى عليه السلام والعبد الصالح، فقد فعل العبد الصالح ما فعل وموسى عليه السلام يتعجب مستنكرا مما فعله، حتى قال له: (أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا) ثم قال له: (أَلَمْ أَقُلْ لَك إِنَّك لَنْ تَسْتَطِيع مَعِيَ صَبْرًا) مرة أخرى، وفي المرة الأخيرة قال له: (هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)، ثم أخبره بما كان لم فعله، فقد كان موسى عليه السلام لا يدري بما يحيط به العبد الصالح إلا أنه عندما علم ما يعلمه العبد الصالح زال عنه الاستنكار والعجب.

ومن أمثلة ذلك في القرآن الكريم موقف عزيز مصر حين هرب نبيُّنا يوسف عليه السلام من مكر امرأة العزيز، فبالرغم من شدة الموقف إلا أن العزيز – وقد كان غاضبا – يبحث عن الدليل القاطع حتى جاءه هذا الدليل: (وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ O وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٍۢ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ) فلما تبين له الحق وأحاط بما حدث كان منه الموقف الصحيح، وعلم ما تخفيه النساء من كيد بهذا النبي الكريم عليه السلام.

ونجد كذلك رسولنا الحكيم في حادثة الإفك قد صبر صبرا جميلا حتى أتاه ما يريح فؤاده، فما أشد أن يؤذى عرض رسول الله ﷺ، إلا أن النبي ﷺ لم يكن منه عنف أو سرعة انفعال، وإنما كان منه الصبر وحسن الخلق طول تلك المدة حتى نزل ما يشفي صدره  ويفرج عنه.

ومن جميل ما قاله الشيخ محمد الغزالي في نقده للمتعالمين الذين يبنون أحكاما بلا علم: (أعرف واحداً من هؤلاء ما نظر يوماً في مرصد الأفلاك ولا دخل يوما معملاً للكيمياء، ولا غمس يده في تجربة خطيرة من التجارب الكونية، ومع هذه الجهالة فهو ملحد لأنه من العلماء، والعلماء لا إيمان لهم  بالمادة!!  ويمكنك أن تضم إلى هؤلاء الأغرار طائفة أنصاف المتعلمين، وهي طائفة عرفت بعض الحق وجهلت بعضه الآخر، ولم تتريث لتستكمل معرفتها، بل أصدرت حكمها الحاسم على ضوء ما عرفت فقط. وتصور كيف تكون فوضى التقاضي لو أن القضاة أصدروا حكما بعد الاستماع لنصف روايات الخصوم ، ونصف دفاع المحامين؟!) اهـ .

وأنا هنا لا أدعو إلى تبني فلسفة (اللاحكم) -وما أسوأها-، وإنما أدعو إلى التريث الكثير حتى تتأكد أولا من صحة هذه المعطيات، فمن الناس من يحرّف الكلم عن مواضعه وهو ليس من الصحة في شيء. وبعد ذلك يجب أن تحيط بالقضية حتى تحكم فيها على شخص أو أي أمر آخر بحكم صحيح.

والملَاحظُ بأن أكثر ما يفرق بين الأخلّاء أو بين الأزواج هي الأحكام التي اتخذت سريعا بعد معطيات قاصرة، فنجد مثلا الزوجة تشك في زوجها كثيرا إذا طال اتصاله، فتظن بأنه يحادث امرأة أخرى، وتبني تصرفاتها على هذه الظنون، وهو في الحقيقة متصل بزميل له في العمل يتكلمان حول مواضيع اجتماع قادم.

فحين تأتينا بعض المعطيات علينا ألا نحكم مباشرة من خلالها، وإنما علينا البحث والتقصي لإيجاد الحقائق كاملةً ثم الحكم بعد ذلك حتى لا نقع في الندامة لاحقا. فمثلا نجد المفتي يطلب من المستفتي التفاصيل التي قد يظنها السائل صغيرة لكن هذه التفاصيل  تؤثر في الحكم على تلك المسألة، حتى يعطيه الفتوى المناسبة.

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

لتحميل المقال اضغط هنا

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: 2.68 ( 8 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى