العقيدة والفكر

خواطر ناصح في واقع التدافع الفكري المعاصر

أحمد بن خليفة بن زايد السيابي

إن ساحتنا الدينية والفكرية لم تعد بمنأى عن أمواج تيارات الأفكار المتنوعة حول العالم، لا سيما بعد شيوع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التي أعلت من شأن الفرد فكرياً بإتاحتها الفرصة لعرض الأفكار الشخصية دون رقابة. وقد كان من نتاج ذلك – بعد ذوبان الجدران الفاصلة بين العوالم المختلفة – أن اطلعنا على العالم واطلع علينا دون الحاجة لاقتحام جدر أو بناء أنفاق. ولسنا بحاجة للتدليل من واقعنا المحلي على اختلاط مياه الأفكار والقناعات الدينية، التي منها الملح الأجاج ومنها العذب الفرات، حيث لا برزخ. وليس بخاف أن غث الأفكار الواردة خطر على دين المرء، إذ منها ما يفسده ومنها ما يتلفه – كالإلحاد مثلاً-، فمن الطبيعي جداً أن تتصادم أمواج الأفكار وأهلوها، فلا عتب على كل مدافع عن الحق بأدب، متحمس للمنافحة عن حياضه بحسن أخلاق، متوثب للوقوف أمام مناوئيه. وليست المشكلة في جِدة الأفكار الواردة، وإنما في بعدها عن الصواب، وهل كالدين يستحق الصيانة والحصانة والدفاع عنه، والذب عنه؟! فإذا عرفنا هذا واتفقنا عليه، فبالإمكان لاحقاً أن نناقش تعريف “الحق” الذي نقصد، إن كان ثمة من يتحسس من هذه اللفظة أو من معناها.

ولِنطوف عن قرب حول قطب المدار ولنكون أكثر صراحة وواقعية، فإن المقصود هنا بعض التيارات الفكرية –إن جاز وصفها بذلك- الطارئة على ساحتنا المحلية، التي يحرص متبنُّوها على الدعوة إليها في صورة أطروحات إصلاح فكري لفهم الدين والتدين تُعرض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي وتأليف الكتب، بغطاء مُصنّع من معاني حرية الرأي والفكر. لقد وصلت إفرازات تلك التيارات الفكرية المادية إلى ساحتنا متأخرة، ولكن مهما بدت مجرد أفكار مستوردة  فإنه في الواقع يصدر من بعض المتأثرين بها تشويشات وتشغيبات لا تخفى على المتتبع، بالإضافة إلى بعض المحاولات لتصنيع منتج فكري محلي ليكون المنتج المحلي هو الاختيار الأول.

لقد بدا الأمر في البداية – ومازال هكذا يبدو للبعض – أنه لا شيء ثَم سوى اختلاف في وجهات النظر حول بعض النقاط، فليس هناك ما يستدعي الضجيج والانتصار والاختلاف، ثم ما لبث أن خاب ظن هذه النظرة البريئة للوقائع. ولقد وضحت الصورة في وقت لاحق لكل ذي شك وريب، أن الحقيقة أكبر من ذلك، وأنها ليست مجرد وجهات نظر، فاتسع الخرق على طلاب العذر. ولئن كانت الصورة غير نقية التفاصيل بادي الأمر، فإنها ليست كذلك الآن، إذ طالت النقاشات قضايا كبرى لا يمكن غض الطرف عنها، واستطرد القوم في الحفر حول الثوابت والإجماعات بشكل لا يمكن تجاهله، واستلزم ذلك بطبيعة الحال العبث بالآيات المحكمات، وتوظيف المناهج التأويلية المتعسفة، ومناهج النقد الأدبي الحديثة وغيرها من الأساليب، كل ذلك تحت ذرائع حرية الفكر، واستقلالية الرأي، ونسبية الحق والحقيقة، وعدم التقليد، ومحاربة الجمود، وتجديد الخطاب الديني، وإعادة قراءة النصوص، وما شابه ذلك من المسميات الجميلة الجذابة في أصلها، والنفس بطبعها تميل لسماع الجديد مهما كان مستهجناً يعلوه الشذوذ، ويكسوه الشطوح، فلكل ساقطة لاقطة.

من المعلوم المتفق عليه أن المجتمع ما زال بحاجة إلى الكثير من بذل الجهود الدعوية الإصلاحية، أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وهذا يستلزم – بلا ريب – توحد الجهود لا تشتتها، والاعتصام بحبل الوحدة والوئام لا التفرق والخصام، وليت ذلك حصل. ولكن ماذا يصنع الجيش وقيادته إذا انسحبت منه كتيبة، وأخذت في إثارة الشغب وتخذيل الناس عن المقصد والوجهة الأصليين – مهما ادعت أنها تريد إصلاح مسيرة الجيش- ؟ فهل رأيت – بربك- مصلحاً مخلصاً يترك البتة الدعوة إلى الله ويعطف عنانه بكلّيته على العلماء والمصلحين والدعاة بخيله ورجله، ذماً ونقداً وتخذيلاً؟! وفي شواهد الحال ما يغني عن تفصيل المقال. إن صرف جزء من الوقت والجهد تجاه هذه الكتيبة يصبح شراً لا بد منه، ومسلكاً لا محيد عنه، والنفوس لذلك كارهة متحسرة.

إن العتب والملامة تكاد أن تكون مرفوعة عمن يخطئ في التعاطي مع المنحرفين عن الوجهة بسبب حماسه أو غيرته، ولربما خانه رصيده العلمي والثقافي أيضاً. ولكن العتب والملامة لا ينفكان طرفة عين عمن يرى – من أهل الفضل والعلم- “المنكر” حول حياضه فلا ينهض للنهي عنه، ويرى أيدي العابثين تمس آي الكتاب العزيز وسنة النبي الأمين، فلا يحرك ساكناً، فبدا الأمر كأنه لا يعنيه، ولا يخص إلا بعض المشايخ وبعض الكتاب والدعاة، أو كأن التعدي قد نال أموال هؤلاء أو تركة آبائهم وأجدادهم، فليس للبقية دخل أو أحقية خصومة. ولئن كان الساكت – في العموم – لا ينسب له قول، فإن سكوته في مقام ظهور المنكر واستفحاله، قول وأي قول، وموقفه السالب هنا – وهو قادر- غير معفو عنه عند الله، وإنما ينجو من الهلاك الذين ينهون عن السوء وحسب. وزد في العتب نصيباً للذي ينهى الذين هم “أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض”، “والذين لا يجدون إلا جهدهم” ينهاهم عن الذب عن حياض الدين بنفي الشبهات عنه، فلا هو نشط للمراد وكفى البقية المؤنة، ولا هو لما رأى الأخطاء في أساليب النصح لدى بعض الكتّاب أراهم عملياً كيف يكون النصح بدون إقصاء، وكيف هي آدابه وأخلاقياته، ولا هو ترك الناهضين للمهمة، “حتى قلنا ليته سكت” إذن.

إن استحضار العبارات الفضفاضة والمعاني العامة الداعية إلى التسامح والالتفات للمشتركات هنا أمر غير مصيب،  إذ الكلام العام لا يستشهد به في السياقات الخاصة، تماماً كما لا يصح استحضار ما سبق في مقام الحكم على القتلة والمفسدين في الأرض، فلكل مقام مقال، ووضع الندى في موضع السيف مضر كما هو العكس. ولقد أُوسع هؤلاء – عندما طغى عليهم ماء التيارات الفكرية المادية وغدوا أمامه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية – أوسعوا تسامحاً وحلماً ودفاعاً وحسن ظن ونصحاً وحُمِلوا في الجارية، لتكون لهم “تذكرة وتعيها أذن واعية”، سراً من غير تشهير، خلف الكواليس من غير إقصاء ولا إبداء خصومة، فلما يئس الناصح وبلغ السيل الزبى أخذتهم الصيحة والريح الصرصر العاتية أخذة رابية.

لأجل كل ما سبق.. ننقم على بعض أهل الفضل وطلبة العلم إدلاءهم بمبادرات الصلح – بعد صمتهم الفاتر عما يعرض من مفاسد -، وإبداء الوسطية، والتمسح بمبادئ الحوار الراقي، بعد تجاوز المسألة حدها المعقول، وانتهاء مرحلة الحوار الهادئ بالعناد والمكابرة. يأتي الصلح الذي يسوي بين المحسن والمسيء، والمصلح والمفسد – حين يأتي – بارداً لا محل له من الإعراب، ولا مكان في خزائن المنطق، ولا طعم له ولا لون، ولا تصبح – لذات السبب- كلمة الوسط وسطاً، بل حيف وجور، وسفاهة وفهاهة.

ومع كل ذلك نقول: دمت – أيها الطيّب الودود – طيب الروح، دمث الأخلاق، لين العريكة، رائع الكلمات، لطيف النسمات، لا نشك لحظة أن مبادراتك، نابعة من أخلاقك الجميلة، وشمائلك الكريمة، وأن كلماتك عبق فائح من أثر كل ذلك، فلا كالكلمة الوسط تثمر الرضا، تماماً كالصلح لا ينثر إلا الخير في الأرض والفضا. فكن رحمك الله فطناً نابهاً، يزن الأمور بميزان الشرع والعقل، يضع الأمور في نصابها حيث الوقت المناسب للرضا والغضب، تماماً كوصف الشاعر:

فتى كالسحاب الجَون يُخشى ويُرتجى

يرجَّى الحيا منه وتخـشى الصـواعـق

 إن سعيك مشكور لجمع كلمتين، وصلح بين خصمين، ولكن الصلح – والصلح خير ومولج محمود– لا يؤدي غرضه المرجو منه إن لم يكن على وجهه المناسب، فتخرج قاطرته عن المسار ولربما وسعتِ الخرق وزادتِ الفتق، ولا غرو فحتى ذكر الله من المتلفظ به قد يستحيل معصية وإثماً أحياناً. 

لتحميل المقال اضغط هنا

يسعدنا تقييمك للمقال

تقييم المستخدمون: 4.83 ( 2 أصوات)

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى